نجم والي
التاريخ كانون الأول 2002، المكان عدن. وكنا أنا والروائي والشاعر والناشر، صديقي ميشائيل كروغير، من ضمن وفد ضم عدداً كبيراً من الكتّاب الألمان والعرب، كان هدفنا الأصلي زيارة اليمن عموماً، لكن ما دار في ذهننا حقيقة ونحن في الطائرة، أن هدف رحلاتنا نحن، هو عدن وحسب، ليس لأن اسم المدينة لوحده يحمل رنيناً يُذكر بالجنة «المفقودة»، ليس لأن عدن كما سمعنا، تختلف عن العاصمة الشمالية لليمن صنعاء، يكفي أنها ميناء وأن الموانئ دائماً هي مدن مفتوحة على الأفق، كل هذه الأسباب تجعل من المدينة التي كانت ذات يوم عاصمة اليمن الجنوبي جذابة للزائر أكثر، خاصة إذا كان الزائر – كما في حالتي – وُلد في ميناء اسمه البصرة، السبب الذي جعل عدن تتحول إلى هدف لزيارتنا نحن الاثنين، هو إقامة الشاعر الملعون، الفرنسي آرثر رامبو، وأقول الملعون، لأن كما يبدو اللعنة طاردته مرات عديدة، مرة جاءته على شكل رصاصة في القدم، مرة ثانية على شكل مرض، المرة الأخيرة وهو في القبر عندما سيتبنى اسمه بطل أميركي مفتول العضلات ببطولات فارغة، وما كان ممكن حدوث ذلك لو لم ينقل المترجمون اسمه للعربية خطأ، سموه رامبو، محرِّفين اسمه الحقيقي ريمبو، على فكرة ليس هو الوحيد الذي كان يجب أن يكون اسمه غير الذي حرفته الترجمة العربية، هذا ما حدث للألماني غوتة، أو لإيمانويل كانت الذي أصبح كانط، أو أيندي إلى اللندي، (هذا موضوع سآتي عليه لاحقاً) لنبق الآن مع صاحب المركب السكران الذي قاده مركبه إلى عدن، آرثر رامبو.
أتذكر عندما وصلنا العاصمة اليمنية عدن، كان أول من استقبلنا السفير الألماني شاحب الوجه وهو يلقي علينا الخبـر، قبل يومين فقط من وصولنا قطع الإرهابيون رأس اثنين من الصحفييـن الإنكليز. في ذلك الوقت كان البداية لانطلاقة إرهاب القاعدة وإرهاب القبائل، عدد كبير من السواح الأجانب تم اختطافهم، بعضهم دفعتْ حكوماتهم فدية بمبالغ دسمة لاطلاق سراحهم، بعضهم ولسوء حظهم أعدموا بدم بارد، كما حدث للصحفييـن الإنكليز، وهذا ما لا يجب أن يحدث لنا، ذلك هو مغزى الخبر الذي ألقاه علينا السفير الألماني، انه نوع من التحذير، المطالبة بالالتزام ببرنامج الرحلة «الحوار اليمني الألماني!»، عدم الشروع برحلة منفردة، دائماً البقاء مع المجموعة تحت حراسة الجيش وقوى الأمن الداخلي اليمني المدجج بالسلاح، كانت دائماً هناك سيارة بيك آب من أمامنا وأخرى من ورائنا نُصبت عليها مدفعية آر بي جي.
أمر طبيعي، قلنا، السفير الألماني يقوم بواجبه الدبلوماسي. لكن ماذا عنا نحن؟ ماذا عن واجبنا؟ هل من الممكن أننا نزور مكاناً أقام فيه صديق لنا حياً، ولا نزور آثاره التي تركها عليه هناك؟ وهل يثنينا الإرهاب عن تحقيق الهدف الأصلي للرحلة التي شاركنا فيها، لا أريد أن أتحدث هنا عن صديقي ميشائيل كروغير، الذي كما أعرفه بالتأكيد فكّر مثلي، لكنني أستطيع الحديث عني، منذ أن تلقيت الدعوة بالمشاركة في الرحلة وأنا أفكر بزيارته، بتحقيق ذلك الحلم الذي دار في رأسي، زيارة عدن بالبحث عن آثار آرثر رامبو، منذ قراءتي الأولى لرامبو الذي سحر جيلي مثلما سحر الجيل الذي قبلي، والجيل الذي بعدي، كما أظن، بل الذي سحر أجيالاً وما يزال، أن أسير على آثاره، لعلي أعثر ولو على خيط يجعلني أفهم ما الذي حمله على الذهاب إلى هناك، إلى عدن؟ قيل أنها محطته الأخيرة.
أتذكر وصلنا عدن في الليل، وطوال جلستنا على الشاطىء، حيث مكان إقامتنا في فندق الهيلتون عدن، ونحن نفكر بما نوينا عليه، أنا وميشائيل كروغير وضعنا كرسيين على الشاطىء، كان القمر باكتماله مضيئاً، يتكسر شظايا مشعة على سطح الماء، كان البحر، بحر عدن، هادئاً أمامنا، وأنا أروي لميشائيل تلك الحزورة التي اعتاد جدي والي سؤالي بها وأنا طفل: «طاسة ببطن طاسة في البحر ركاسّة …. شنو هي؟»، كان جدي يسأل، وعندما أعجز عن الاجابة، يقول لي ضاحكاً، «الگمر يا يدي (كما ينطق فلاحو الجنوب الجيم ياء!)»، وكان كروغير يضحك وهو يثني على الصورة الشاعرية تلك لجدي، أقول له تخيل أية مخيلة فطرية يملكها الفلاحون في بلادي، ثم أسأله إذا كان ذلك السبب هو الذي جعل آرثر رامبو يبطل كتابة الشعر ويأتي إلى عدن ليعيش هذه الفطرة الشعرية وليس كما قيل عنه للمتاجرة بالسلاح؟ لا أدري. ميشائيل كروغير هو الآخر لا يدري. كل ما أدريه، ها نحن وصلنا إلى عدن الشهيرة، عدن التي وصفها بشكل رائع السويسري باول نيزون، التي وصفتها آنا ماري شفارتيزنباخ (أكتشف للصدفة هي الأخرى سويسرية!)، عدن المبهمة، لكن الجميلة جداً، عدن التي أختارها ذات يوم توأم روحي لنا، مكاناً للإقامة.
في صباح اليوم الثاني وفي غفلة من الوفد (لم نخبر حتـى صاحب النوبل غونتر غراس الذي ترأس وفدنا، والذي عاتبنا بعدها لأننا لم نأخذه معنا)، تسللنا من الفندق، أخذنا «تاكسي» إلى البيت الذي أقام فيه رامبو. المفاجأة الأولى التي واجهتنا، أن صاحب التاكسي وقف أمام بنسيون/فندق شعبي بسيط ، القطعة المعلقة له تقول «فندق رامبو»، وعندما دخلنا، رأينا رجلاً جلس عند طاولة الاستقبال، عند رأسه في الأعلى عُلقت صورة لآرثر رامبو ، تلك الصورة المعروفة له بشعره المنفوش ونظرته «المزججة»، التي تشبه مرآة، لا أدري لماذا شعرنا بالخيبة، ذلك ما رأيته على وجه صديقي ميشائيل كروغير أيضاً، سألت الرجل الجالس هناك، إذا كان هذا المكان بالفعل البيت الذي أقام فيه رامبو؟ طبعاً، أجابني الرجل، ثم بدأ يتحدث عن البيت، كما لو أن رامبو ترك البيت يوم أمس.
كان ذلك وحده كافياً. للاسف ، قلت لميشائيل، جئنا متأخرين، آرثر رامبو غادر البيت يوم أمس فقط.
بعدها لم نتحدث أنا وميشائيل كروغير عن الموضوع، وفقط قبل ثلاث سنوات، وبعد اندلاع الحرب اليمنية واشتداد القصف على عدن، بدأنا نفكر بزيارة البيت من جديد. لعل البيت ما زال هناك يقاوم القصف. مثل الناس الطيبين الذين عرفناهم في عدن، أحدهم الرجل ذاك الذي جلس عند طاولة الاستقبال، والذي بالتأكيد اذا زرناه اليوم، سيحكي ويحكي عن أرثر رامبو كما لو غادر الفندق قبل القصف بساعات. يا لحسن حظه. رامبو يقاوم القصف مثل ناس عدن الطيبين! كم نحن محظوظون إذن: رامبو ما يزال هناك مثله مثل عدن المصرة على الحياة.