صلاح محسن جبر
صلاح محسن جبر
يُعد بيرس (1839-1914) من أبرز الفلاسفة البراجماتيين ، والمؤسس الحقيقي لهذا الاتجاه في الفلسفة المعاصرة الذي ظهر في الولايات المتحدة الأمريكية ، فهو أكثرهم عمقاً وأقلهم شهرةً ، وقد ذهب بعضهم إلى عدّه من أعظم الفلاسفة الأمريكيين ؛ وذلك لما أمتاز به من منهجيةٍ خاصة ، ولما أبداه من أصالة متفردة في أغلب المواضيع التي خاض فيها ، وليس أدل على ذلك من قول الفيلسوف الإنجليزي هواتهيد (ت1947) «كان بيرس رجلاً عظيماً جداً عالج مواضيع متعددة مساهماً في كل منها مساهمة إبداعية ، وإن جوهر تفكيره كان الإبداع في كل موضوع علمه»
فعلى الرغم من أن فيلسوفنا لم ينلْ حظه من الشهرة ، ولم ينلْ التقدير والتكريم الذي يستحقه في حياته ، بعكس ممثلي البراجماتية الآخرين وليم جيمس (ت1910) وجون ديوي (ت1952) فإنهما كانا يعملان ما يريدانه ببعض مولدات دماغ بيرس فهو مؤسس البراجماتية التي هندسها ونحت لها أسمها نحتاً جديداً بشهادة جيمس نفسه الذي لم يتنكر لهذه الحقيقة «وكان أول من أدخل اللفظ في الفلسفة تشالرز ساندرس بيرس في سنة (1878) في مقال كيف نجعل أفكارنا واضحة .. بعد أن أشار إلى أن عقائدنا هي في الواقع قواعد للعمل والأداء ، وإننا لكي ننشئ معنى فكرة فكل ما نحتاج إليه هو تحديد أي سلوك تصلح لإنتاجه» (جيمس، البراجماتية ، ت:محمد علي العريان ، ص65)، وهي بذلك تكون ردّة فعل وثورة في نظرية المعرفة على المذهب العقلي ؛ ذلك لأنها لاتعترف بالعقل وحده معياراً للحقيقة وإنما السلوك والفعل ، أي أن مَحَكْ اختبار أي فكرة ما ، هو الواقع وما تحققه من نتائج ، وأنها في العمق حلاً للنزاعات المتيافيزيقية التي لا طائل من ورائها ، وهي كفلسفة تُعلي من قيمة العمل ببساطة وأن تغلفت بمصطلح غريب وصعب كعادة بيرس في نحته لمصطلحاته من جذور يونانية يضفي عليها دلالة جديدة لكي يجعلها بعيدة عن أيدي العابثين . ولكي تكون الفلسفة علماً كما هو طموح بيرس ، عليها أن تكون ذات مصطلحات فنية معترف بها ، وتتألف من كلمات تبلغ من النفور والكراهية حداً يُغري المفكرين السائبين الفضفاضين بعدم استعمالها ، والبراجماتية بهذا المعنى وفي شكلها العام ليست ابتكاراً جديداً بالتمام ، فهي تمثل اتجاها مألوفاً في الفلسفة ألا وهو الاتجاه التجريبي ، وإن كانت تمثله في شكل أكثر تطرفاً وأقل ممانعة .
ولد فيلسوفنا في مدينة كيمبردج بولاية مساشوستس في عام ( 1839) وهو أبن بنيامين بيرس وهو من رواد أمريكا في العلوم الرياضية ، وفي ظل الجو العلمي تلقى بيرس تكويناً علمياً منطقياً صلباً منذ طفولته ، وأن أسهامه الفلسفي الخاص ينسجم تمام الانسجام مع تكوينه هذا ، فدرس المنطق والفلسفة وأظهر في سنواته الأولى تفوقاً ونبوغاً يُبشر بنجاحه في مجال الرياضيات والعلوم التجريبية ، فقد قرأ كُتباً في المنطق وهو في الثاني عشر من عمره ، وفي السادس عشر درس كتاب «نقد العقل المحض» لكانط ، وخصص له ساعتين يومياً خلال ما يزيد على ثلاثة أعوام إلى درجة أن بيرس قال: «لقد حفظت الكتاب تقريباً عن ظهر قلب ، وفحصت كل جزء منه فحصاً نقدياً» ، وما كان ذلك ليتم لولا مساعدة والده القدير . فحصل على شهادة الماجستير في الرياضيات من جامعة هارفارد سنة (1862) وعلى البكالوريوس في فلسفة العلوم من الجامعة ذاتها .
يؤكد برتراند رسل (ت1970) أن بيرس ليس متمكناً من الرياضيات والمنطق وآخر الكشوفات والإنجازات العلمية في عصره فقط ، بل ومتمكناً أيضاً من تاريخ العلوم والفلسفة ، وهو فضلاً عن دراسته لكانط ، كان متعمقاً في دراسته للفلسفة الألمانية ، لينتهي إلى نتيجة مفادها «هي أن معظم هذه الفلسفة ليست بذي قيمة تذكر من حيث المنهج الذي يؤدي إلى فكر جديد ، صحيح هي غنية بإيحاءاتها ، حتى لتظهر الفلسفة الإنجليزية ذات الطابع التجريبي إلى جانبها فقيرة وساذجة ، إلا أن هذه الأخيرة أرسخ من زميلتها منهجاً إذا ما نظرنا إلى المنهج على أنه الوسيلة المؤدية إلى جديد» (زكي نجيب محمود ، فلسفة وفن ، ص168) .
رغم كل النبوغ والموهبة المتفردة والمبكرة لبيرس الذي يُنبأ بنجاح باهر في مشواره الأكاديمي ، إلا أن كل من ذلك لم يحصل ، رغم صداقته الحميمة والمتميزة لفلاسفة كان لهم عظيم الأثر في الحياة الأكاديمية الأمريكية ، فكل ما حصل عليه هو وظيفة متواضعة في مصلحة السواحل والمساحة ، ووظيفة متقطعة في الجامعة ،وتم ذلك بتوصية من وليم جيمس . التي استقال منها مرتين ، ولعل السبب الأساس في ذلك يعود إلى مزاجه الصعب والصلب وثقته المفرطة في نفسه ، دون أي تنازل لإنسان حتى لأقرب أصدقائه الذين لم يسلموا من نقده وأولهم جيمس ، الذي حذره من أسلوب محاضراته الرمزي الصعب العسير على الفهم ، وأن الفلاسفة وحدهم هم الذين سيكون في مقدورهم فهم ما يكتبه فقط ، ليأتيه الرد من بيرس أنه لا يُجيد الرقص والغناء مثله ، موبخاً أياه بحيازته موهبة التعبير على حساب دقة التفكير ، وأن عليه أن يحاول تعلم التفكير بصوابية أكثر ، ومن يريد أن يفهم فلسفته فعليه أن يعتصم بالصبر والتأني إلى أن يجد المفتاح كما وجده هو ، تاركاً لقارئه إقامة المقاربات الضرورية ليبني التوليفات ويستخلص النتائج ، حتى أن أحد تلميذاته في جامعة جون هوبكنز تكتب عن محاضراته «أنها دون تكملة أو تتمه وغير قابلة للوصف» .
حصل بيرس على أرث صغير بعد انتقاله إلى ميلفورد في بنسلفانيا ، وكان يفكر في تحقيق حلم حياته في التفرغ لكتابة في المنطق الذي توقعه من أثني عشر جزءاً حتى جعله هذا المشروع عل حافات الاكتئاب ، بعد أن بنى له بيتاً لم يبقَ معه من المال الكثير الذي لم يحسن إدارته ما جعله يغرق سريعاً في أقصى درجات العوز ، ليتوفى في 19 نيسان (1914) منهكاً بسبب الحرمان والمرض فقد أصيب بمرض السرطان الذي أضناه منذ سنين وعينه على مؤلفه الذي لم يكتمل ، وعزاء الوحيد ومصدر رضاه، أن فلسفته لاقت فهم عقول متميزة كجيمس وديوي ورويس وأن عمله لم يذهب أدراج الرياح دون فائدة .