جدلية العربي والأعجمي في الموروث

جواد جميل

لا شك أن جدلية كون القرآن الكريم نصّاً عربياً ، ووجود مجموعة من الكلمات الأعجمية في طيات آياته ، مازالت قائمة ، تتعدد فيها الآراء وتتشعب حولها الاتجاهات التفسيرية .
فالآيات التي نزلت حول هذا الموضوع بلغ عددها 15 آية، ورد في 11 منها لفظ «عربي » أو «عربيا» وفي 4 مواضع وردت لفظة «اعجمي» في مجال النقض .

وقد انحاز المفسرون وأهل اللغة الى فريقين ؛ الفريق الأول يحاول ان يثبت ان القرآن خلو من اي لفظ اعجمي وان ما ورد من كلمات اعجمية غريبة هي كلها ذات اصول عربية مهملة من لغة العرب ، ويحاول ارجاعها الى جذورها اللغوية بكل قوة .
والفريق الثاني يحاول الاصرار على ان القرآن احتوى دون ريب على الفاظ اعجمية من الرومية والعبرية والفارسية والهندية والفرعونية وغيرها .. وان هذه الالفاظ لا تمت الى اصل اللغة العربية بوشيجة ولا رابطة اطلاقاً..
وقد تعسف الفريق الاول في ليّ اعناق الاصول اللغوية واجتهد بقراءات وروايات تقوى الى حد الاقناع وتضعف الى حد فقدان الدليل ..
فيما انفتحت شهية المستشرقين على الفريق الثاني ، فباتت الكلمات الاعجمية لديهم دليلاً على تناقض ايات القرآن ، وتفنيد اعجازه !

شغل هذا الموضوع بال ابن عباس (ت 68 ه) وابن جيد (ت 95 هـ ) و وهب بن منبه (ت 114 هـ ) ، وبعدهم الشافعي (ت 204 هـ )في رسالته ، وابو عبيدة معمربن المثني (ت 209 هـ )و القاسم بن سلام (ت 224 هـ ) ومحمد بن جريرالطبري (ت 310 هـ) . و ابوحاتم الرازي (ت 322 هـ ) و ابن جني (ت 392 هـ ) و ابو منصورالجواليقي (ت 540 هـ ) في «المعرب من الكلام الاعجمي » ، و ابن عطية (ت 546 هـ ) و القرطبي (ت 671 هـ ) و الزركشي (ت 794 هـ ) والسيوطي (ت 911 هـ) وغيرهم من المفسرين وعلماء اللغة !
ولم يخل تفسير للقرآن او كتاب في اصول اللغة الا وخاض غمار هذه المعركة ، منحازاً لأحد الفريقين !
ويبدو لي أن مظنة الاختلاف في الموضوع راجعة الى امرين :
الأول : ان بعض ما ورد في القرآن من ألفاظ اعجمية استعصى على فهم المفسرين واللغويين، لعدم احاطتهم باصله اللغوي الاجنبي، ولأنهم يريدون ان يكملوا المعنى القرآني ومراد الايات، فراحوا يفترضون تقارباً حسياً خفياً ، عللوه بالقراءات المختلفة او الشذوذ ، او قاربوه الى مادة مشابهة في المعنى !
الثاني : الفهم القاصر لمفهوم ( عروبة القرآن) حيث ان بعضهم اعتقد ان عروبة القران تعني ان كل ألفاظه ومعانيه وتراكيبه وحيثياته اللغوية هي عربية مطلقاً ، بمعنى انهم جعلوا البحث ذا صفة عقدية لا لغوية تاريخية !
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت 210هـ): «من زعم أنّ في القرآن شيئاً من ألفاظ العجم فقد أكبر ( اي كفر وجاء بأمر جلل) لأنّ‍ه ع‍ّز وج‍ّل يقول: (بلسان عربي مبين) !!

عدّ بعض المفسرين الكلمات الأعجمية في القرآن الكريم فبلغت 164 كلمة وردت في آيات متعددة ، فيما يحاول مفسرون آخرون ان يجعلها صفراً ! فاضطرّ الى دخول متاهات لغوية لا تصمد امام حقائق اللغة ونتاج البحث والتنقيب !
قال الإمام الشافعي في الرسالة وهو يرد على القائلين بوقوع الاعجمي في القرآن: قال منهم قائل: إن في القرآن عربياً وأعجمياً، والقرآن يدل على أن ليس من كتاب الله شيء إلا بلسان العرب ! واستدل بآيات العروبة الواردة في القرآن، فحول الخلاف الى عقدي من خلال استدلاله ..
وخفف القرطبي هذا التوجه المطلق فقال في مقدمة تفسيره:لا خلاف بين الأئمة أنه ليس في القرآن كلام مركب على أساليب غير العرب، وأن في القرآن أسماء أعلام لمن لسانه غير لسان العرب كإسرائيل وجبريل وعمران ونوح ولوط .
وهنا اقرّ القرطبي بوجود كلمات أعجمية، لكنه اكد ان عروبة القرآن تعني تراكيبه اللغوية وعلاقات الالفاظ واسلوب الخطاب وما تحمله الجمل القرآنية من هيكل لغوي، كل ذلك عربي لا شك ولا ريب ..
والشيخ الطوسي ايضا يرى ، ان الارسال بلسان القوم يكفي ان يفهم القوم ما يقول، من دون حاجة إلى من يقوم بترجمة كلام الرسول .
والشيخ الطبرسي يفسر «قرآنا عربيا» بقوله:
لقد نزل القرآن على وفق مجاري كلام العرب في محاوراتهم ..
بل ان جلال الدين السيوطي في كتابه « الإتقان في علوم القرآن» استدلّ على ان ما وجد من ألفاظ أعجمية كإستبرق ، وسندس ، وغيرها .. استدلّ على اممية القرآن وشمولية خطابه للاخر غير العربي بقوله : وقالوا : إن النبي ص بُعث للناس كافة ، فلا يمتنع وجود أكثر من لغة في القرآن ، بل هو أبلغ في الإعجاز !
اما الطبري فيؤكد ان حل الخلاف يكمن في ان اللغة اصل تفرعت منه لغات ثانوية ومن الطبيعي ان تتشابه الكلمات العربية مع اخواتهالأعجميات فقال : ولم نستنكر أن يكون من الكلام ما يتفق فيه ألفاظ جميع أجناس الأمم المختلفة الألسن بمعنى واحد ، فكيف بجنسين منها ، كما قد وجدنا اتفاق كثير منهم فيما قد علمناه من الألسن المختلفة ، وذلك كالدرهم والدينار والدواة والقلم والقرطاس !
وهو عين ما ذكره الشافعي من إن الألفاظ الواردة في القرآن الكريم مما اشتركت فيها اللغات فقال : ولا ننكر اذا كان اللفظ قيل تعلماً أو نطق به موضوعاً أن يوافق لسان العجم أو بعضها قليلاً من لسان العرب!! وأيده في ذلك معاصره ابن الأنباري (ت337هـ) فأوضح انه مما اتفقت فيه لغة العرب ولغة العجم لأنّ الله عز وجل لا يخاطب العرب بلغة العجم !
اما الزمخشري (ت 538 هـ)فذهب الى ان ألفاظ القرآن الكريم عربية صرفة، ولكن لغة العرب متسعة جداً، ولا يبعد أن تخفى على الأكابر !!
وقد خفي على ابن عباس معنى (فاطر) عندما قال: ما عرفت ما (فاطر السموات والأرض) حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي: ابتدعتها “!!

و ذكر ابوبكر الواسطي ان في القرآن خمسين لغة . و سردها ممثلا .. وذكر ان فيه من غيرالعربية، لغة الفرس و النبط، و الحبشة، و البربر و السريانية و العبرانية، و القبط وغيرهم من الامم ..
ولا يختلف اثنان في ان لغة العرب وقت البعثة النبوية كانت قد توفرت على الفاظ اعجمية ، وقد وردت كلمات فارسية ونبطية في الشعر الجاهلي ، وحتى المعلقات التي عدوها قمة الهرم في الشعر العربي لم تخلُ من عجمة في بعض ابياتها ، فالابريق والسجنجل والاستبرق واليمّ والمشكاة وغيرها عبرت جدار اللغة العربية فاستعملها العرب ، و اعتادوا عليها وعرّبوها حسب سجيتهم ، وحتى نسوا اصولها الاعجمية فدخلت لغتهم بكل قوة فتكلموا بها واصّلوها واستعذبوها !
وقال ابن عطية المتوفى (543هـ): « إنّ العرب كانوا على اتصال بالأمم الأخرى، فعلقت بهم ألفاظ أعجمية غيّرت بعضها بالنقص من حروفها، وجرت الى تخفيف ثقل العجمة، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها حتى جرت مجرى العربي الصريح، ووقع بها البيان ، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن فإن جهلها العربي فكجهله الصريح بما في لغة غيره !
وختم المقالة ابن جني ووسّع نطاقها بقوله : ان ما يمكن قياسه علي كلام العرب فهو عربي !!

لذلك دأب اللغويون الى تبويب الكلمات الاعجمية المعربة دون ان يشعروا ! فجعلوا باباً اسموه اسماء الافعال وضربوا امثلةً لذلك : يزيد او يعمر وهي كلمات عربية .. ثم اضافوا لها كلمات اعجمية مثل : يحيى ( واصلها يوحنا او يهوه حنان ، ومعناها حنان الله ) ويوسف (واصلها يوسيف او جوزيف ومعناها هو الله يمنح ويضاعف، اًو الله يزيد) .ويونس ( واصلها يونان او نقحره يونا ومعناه الحمامة ) فجعلوها اسماء افعال لـ حيىٰ وأسفَ وأنسَ !! لتقارب الفاظها ، وفاتهم انها اسماء عبرانية اعجمية محرفة لا علاقة لها بأفعالنا العربية !
ثم عمدوا الى الكلمات التي لم يصلوا الى تأصيلها عربياً فبوّبوها في الممنوع من الصرف ، وحددوا اوزانها ، ومنعوها من التنوين تمييزاً لها بأنها ليست عربية الولادة !
ولست ادري لماذا لم يكن العرب الذين عايشوا النبى محمد ص وسمعوا القرآن كله ، وهم احدث منا عهداً بالعربية ، لم يدخلوا مدخل الاختلاف هذا ولم يثيروا كوامنه ؟! ربما لأن الألفاظ التي نزل بها القرآن لم تكن غريبه عليهم رغم عجمتها . فقد خضعت تلك الألفاظ ، وتم تصنيعها عربياً ، واصبحت جزءاً من متداولهم المألوف .

لقد جاء القرآن الكريم باعجاز امتاز به عن غيره من كلام العرب ، من حيث التركيب ، والسرد ، وتحديد العلاقات اللفظية ، واعتماد واقعية النص في نقل احداث الماضين وقصصهم .. وقد لاحظت ان القرآن الكريم عندما ينقل قصص الانبياء يحرص على نقل المشاهد بدقة متناهية من حيث الحركة والتركيب اللغوي والمشهد الشخوصي وخلفيات الاجواء ، كما انه يحرص ايضاً على نقل المؤثرات الصوتية اللغوية التي تكتنف المشهد ، بحيث يرسم صورة واقعية للحدث بكل تفاصيله ومكوناته بعيداً عن المؤثر الزمني !!
وهذا المنحى يجعل سياق الايات التي تتحدث عن احداث فرعونية مثلاً ، يجعلها مليئة بالمؤثر الفرعوني ، بل ويتعدى الامر الى استخدام لغة الفراعنة ذاتها ..
هذا الامر جعل المفسرين يحارون في الوصول الى معاني بعض الكلمات التي ترد في النص فيحاولون ايجاد مخرج عربي لها بأية وسيلة ..
خذ مثالاً على ذلك سورة يوسف ، ابتداءاً من كلمة (هيت ) الى ( حاش ) الى ( حصحص ) والتي شرّق بها المفسرون وغرّبوا ، واكثروا من ادعاءات تنوع قراءاتها ، وفاتهم انها لغة فرعونية هيروغليفية بحته ، استعملها القران الكريم في نقل حديث شخوص النص دون ترجمة او تعديل، ذلك من اجل تركيز واقعية الحدث .. وهو من اعجاز القرآن الكريم ..
فبمراجعة سريعةلآية ( وغلقت الابواب وقالت هيت لك ..) في قاموس اللغة المصرية الهيروغليفية لمؤلفه بوجي Budge, Sir E.A.Wallis, An Egyptian Hieroglyphic Dictionary, in Two Volumes, Sir E.A.Wallis Budge, (Dover Publications, Inc. New York), c 1920, Dover Edition, c 1978.
في صفحة 458 نجد كلمة «هيت « الهيروغليفية مكتوبة hait بالحروف الانجليزية والى جانبها الكلمة الهيروغليفي و معناها بالانجليزية nudity, nakedness و تعني بالعربية ( التعري) !!
اي انها قالت له : تعريت لك !! وهي اقرب لعمل امرأة تريد اغراء الرجل، بدلالة وغلقت الابواب اي انها كانت قد أعدت ما يتيح لها التعري دون قلق ! في الوقت الذي قرأها المفسرون على انها :
هـــيت لك بكسر الهاء وفتح التاء ..وهــئــت لك كسر الهاء وفتح التاء والهمزة في الوسط .. وهتُّ لك بفتح الهاء ورفع التاء وتشديدها ..وهيت لك بفتح الها ء وفتح التاء..
وفي القاموس : هَيْتَ لَكَ(٢٣ يوسف) تعال أسرع هلم لك ، هيت: هلمَّ، تعال، أقبِل ..هيت: قريب من هلم، وقرئ: (هئت لك) (وبها قرأ ابن كثير. الإتحاف ص 263) : أي: تهيأت لك، ويقال: هيت به وتهيت: إذا قالت: هيت لك.
وكلمة (حاش َ ) Hash ايضاً ذات اصول هيروغليفية ومعناها لم يحدث ! وقد اعجب بها العرب ايما اعجاب فجعلوها اسماً بمعنى التنزيه وجعلوها فعلاً بمعنى جمع او عزل وجعلوها حرفاً واداة استثناء ..
وكلمة ( حصحص) Hossam hossam ومعناها تأكد، دخلت العربية ووضعت لها معان متعددة.. رغم ان اصولها هيروغليفية !
وما زال اهل سيوه في مصر الذين يحتفظون ببقايا اللغة المصرية الهيروغليفية هم وحدهم من بين المصرين اليوم من تتردد على ألسنتهم هذه الكلمات كما يقول احمد صبحي منصور!!
ان ورود كلمات من لغة الفراعنة لم نعرف معناها الا في القرن الماضي بعد ان اكتشف حجر الرشيد وبعد ان نقب العلماء والاثاريون في مصر القديمة ومقابرها وركامها .. ان ورودها في القرآن الكريم لهو من معاجز القرآن الكريم، وصدق النبوة !
فكيف لرجل عاش قبل قرون طويلة لم يسافر لمصر، ولم يطلع على لغة انقرضت قبل الاف السنين واندثرت وتلاشت ، كيف له ان ينقل نصوصاً فرعونية وحوارات لاحداث تأريخية بلفظ فرعوني هيروغليفي ؟! الا ان يكون وحياً من لدن خبير عليم ؟!
ان وجود كلمات اعجمية في القرآن لا يخدش كيانه العربي ، بل يؤكد مصداقية خطابه ودعوته ، ويفتح لنا باباً مفاده ان اللغة كائن حي تهرب من يديه كلمات فتنسى وتهمل، فيصطاد كلمات جديدة تحيى في دائرته وتتحرك ، وتصطبغ باصالة الرغبة في التفاعل مع الاخر ..
وتبقى اللغة وجوداً عجيباً ، رغم انه فينا ونحن فيه !
وقد يقيض الله من يجمع كل ما ورد من كلمات ذات اصول اعجمية في اللغة العربية بدقة وتحقيق ، واظنها اكثر بكثير من العدد الذي ذكرته انفاً ، ثم يعمد الى دراستها وفقاً لمعطيات النظريات الالسنية الحديثة واستناداً الى قواميس اللغات القديمة التي توفرنا عليها بعد حركة التنقيبات في القرنين الماضيين ، وباستخدام وسائل تقنية اليكترونية للمقارنات اللغوية المختلفة ، فنكون قد اكتشفنا ديناميكية التعريب وقاموسه ، واحكام قبول اللفظ ورده او تغييره ، والتوصل الى تحديد جغرافية ومسارات التعايش اللغوي وتأثيراته ، وقد نتوصل الى معان قرآنية جديدة غفل عنها المفسرون السابقون !
وقد نوه سيبويه في كتابه الى جزء من آلية التطور اللغوي فأكد ان اللفظ يصبح عربياً بعد وضعه على وزان كلام العرب ، وإذا لم يوافق أي وزن من أوزانهم ، عدلوا فيه بزيادة حرف، أو بنقصان حرف أو حروف، وصاغوه على الوزن العربي، فيصبح على وزان تفعيلاتهم، وحينئذ يأخذونه. وكل ما أرادوا أن يعربوه، ألحقوه ببناء كلامهم، كما يُلْحقون الحروف بالحروف العربية..