جوليت بينوش خرية الهشاشة

ترجمة وتقديم : علي الياسري

قال عنها الناقد روجر ايبرت «هي جذابة لكن ليس بالطريقة التقليدية للسينما. وجهها مهيب ورصين، جمالها اثيري-فيه اللطافة والشفافية والنقاء-. لا تحتاج الى القيام بالأشياء بطريقة واضحة، فهي قادرة على عدم اظهار شيء ومع ذلك تستطيع ان توحي بالكثير من المشاعر بمجرد النظر الى الكاميرا.» ما ذكره «ايبرت» وصفه المخرج «كيشلوفسكي» بجملة معبرة ومكثفة «انها السحر بعينه.»
جولييت بينوش أول ممثلة تفوز بما يمكن ان اسميه (غراند سلام) جوائز المهرجانات السينمائية الكبرى (برلين، كان، فينيسيا، الاوسكار). مُبرزة فطنة كبيرة في تطوير الذات والقدرات الشخصية، اظهرت بجانب التمثيل موهبتها كرسامة وكان ذلك في بداياتها بفيلم (العشاق على الجسر) حين رسمت اللوحات التي ظهرت فيه، كما نفذت ايضا رسم البوستر الفرنسي للفيلم وكان من اخراج «ليو كاراكس» والذي معه كما تقول «أكتشفت الكاميرا.. وتعلمت باحساس الحب ان العمل الفني في السينما مثل همسة شاعرية.»
هي أيضا راقصة تعبيرية اشتركت مع مصمم الرقص المميز «اكرم خان» في عرض كوريغراف بعنوان (in-i)، حقق نجاحاً باهراً حيث وصفت صحيفة الصانداي تايمز اداءها (بانجاز جسدي لايصدق).

جولييت التي عرفت كيف تتوازن بين أفلام السائد والتعبير الفني طوال ثلاثة عقود من العمل السينمائي، أمتلكت أيضا بسبب موهبتها التمثيلية الخلاقة وقدرتها على اثراء الشخصيات باسلوبها الناجح لادارة علاقات مميزة مع مخرجين كبار مثل كيشلوفسكي وهانيكه وكيارستمي، وهو ما منحها استمرارية بالتواجد في أدوار البطولة التي زادت من صورتها الايقونية.

*ماهو أكثر شيء مسه التغيير في حياتك خلال العقدين الماضيين؟
-ما الذي تغيّر؟ أصبح عندي بنت. (تضحك)، أعتقد مزيداً من الوعي، وشيئا من المعرفة. أجد صعوبة كبيرة في الاجابة على هذا السؤال، ولا أعلم لماذا. أرى أن هناك بعض الكتب التي غيرت وعيي، أتعلم؟ العلاقات لا أعتقد اني حققت تقدما كبيرا فيها. لدي علاقة منذ 15 سنة، توقفنا وعدنا وتوقفنا وعدنا. وبطريقة ما بسبب هذا الوقت من الانفصال والعودة، عليك ان تكون أقل تملكاً وتحب بطريقة مختلفة. لذلك ربما احرزت القليل من التقدم. مضت الحياة وتعلمت بعض الأشياء، ولكن تغييرات؟ أعتقد اننا دائما نفس الأشخاص في دواخلنا.

*أنتِ لاتعتقدين باحتمالية التغيير الجوهري؟
-خياراتنا وأفعالنا هي من تصنعنا على ما نحن عليه، وتؤكد حقيقة من نكون. ولدي شعور بأنني في الغالب قلت نعم للأشياء التي كانت مهمة لحياتي. ولكني كامرأة امتلكت الخبرة. لديك المزيد من القصص لترويها. في داخلك هناك طبقات مختلفة يمكنك اكتشافها. هناك حرية تأتي مع تقدم العمر لأن قيمك تتغير. لايمكنك التمسك بنفس الأشياء مثلما كنت سابقاً. يصبح عندك نوع من الحرية لتكون نفسك أكثر من ذي قبل. من ناحية تغدو أكثر هشاشة ولكن من ناحية أخرى هناك قوة تأتي معها.

*ما المقصود بأكثر هشاشة؟
-جسدياً أنت تتغير وهو مايجعلك هشا أكثر. الامر هكذا بكل بساطة. هناك شيء ما قادم، تترك بعض الامور تمضي وعليك مواجهة أخرى. عليك ان تتغلب على أشياء معينة الرغبة في (القوة،التملك،المتعة)، هي في الحقيقة ثلاثة أمور كبيرة يتوجب على الانسان مواجهتها في نقطة معينة. انه تحد، تحد صعب، لكني أعتقد انك عندما تتخذ قراراً لا ريب فيه بالتغلب عليها، فأنه يأتي مصحوباً بحرية وهو ممتع للغاية. عندما تتقبل الامر يصبح مثل « اووووه! حرية! أخيراً!»، تنعتق من كل شيء. نحن بحاجة للاطمئنان، أليس كذلك؟ (تضحك).

*عندما تمثلين، هل تحتاجين الى الكثير من الحرية؟
-في أحد أفلامي الأخيرة اتذكر باللقطة الأولى وضعت يدي على مقبض الباب. كنت احاول تجربة شيء جديد ولم أكن اعرف لحظتها ماذا سأفعل. اردت الاستكشاف قليلا، سعيت لتجريب أشياء مختلفة. وحالما وضعت يدي على المقبض، صاح المخرج «لا، لا تضعي يدك على المقبض»، أصابتني الدهشة، حتى مخرج مثل عباس كيارستمي لم يخاطبني هكذا. لذا قلت له « ستفقد الكثير من المعجزات والعطايا المحتملة –تقصد امكانيات موهبتها التمثيلية- والتي لا اعلمها لحد اللحظة وعليَّ استكشافها. لذا ارجوك دعها تتنفس. اطلب منك منحي ثلاث لقطات بكامل حريتي. لن تقول اي شيء خلالها. ثم بعد ذلك يمكننا تصوير 20،40،60 لقطة وكل ماتريد.» وهذا ما فعلناه وسار الامر على مايرام بسبب ذلك. لكنه كان اول افلام المخرج لذا لم يكن يعلم.
أتصور انه لمن الصعوبة على بعض المخرجين التخلي عن التحكم بزمام الامور وبالتالي عليهم الاعتماد على ما تقدميه لهم.
ولكنه عمل جماعي. انه خلق مشترك. من الخطا الاعتقاد ان الفيلم هو وجهة نظر المخرج فقط، هذا ما اراه. هو من يتخذ القرارات في النهاية، ولكن اثناء خلق وصناعة الفيلم بالتأكيد الجهد مشترك. العمل تعاوني بشكل كبير. لأن بأمكاني تخريب مايراه المخرج لو اردت ذلك كوني انا الممثلة، لدي عقد واذا لم ارغب بالاداء وفق نظرته فهذا لقناعتي وخياري الشخصي.

*يبدو وكأنه تهديد؟
-حسنا، لهذا السبب عليك ان تكون أكثر ذكاء وثقة. عليه ان يثق بي، وأنا عليَّ الثقة به. العمل اكثر متعة حين تعمل مع الثقة أكثر من العمل مع «انا من يمتلك السيطرة، وكلمتي هي القول الفصل.» يستطيع الممثل استخدام قوته لحظة التمثيل، بينما يمكن للمخرج استخدام قوته لحظة المونتاج، ما لم تذكر في عقدك مثل بعض النجوم الامريكان الكبار، ولن نذكر اسماءهم، بأن لهم السيطرة على الفيلم.

* الممثلون هل لديهم تحكم أكبر من المخرجين؟
-نعم، أخبرتني أيمانويل بيار عن العمل مع توم كروز. ارادت الحصول على بعض الشفقة للشخصية التي تؤديها في فيلم مهمة مستحيلة. فقام توم بالذهاب للمخرج وقال له «لايمكنها ان تؤدي دورها هكذا!» لقد اراد التحكم بالامر. كان يسعى للتأكد من ظهور شخصيته بشكل أفضل.

*ذكرتي آنفا عباس كيارستمي، وخلال مسيرتك عملتي مع العديد من صناع السينما المشهورين، مثل غودار، كروننبرغ، كيشلوفسكي، مينغيلا وهانيكه. أي مخرج هو الاكثر تحكماً؟
-هانيكه هو الاكثر سيطرة وتحكما. ولكنه ايضا يحترم الممثلين كثيراً. هو يعلم مدى صعوبة الامر. ولكن هناك لحظة عليه ان يكون فيها دقيقاً للغاية بالنسبة لبعض الاشياء، وهذا امر رائع. أعني، هو ليس ضد اجراء التعديلات او الاضافات، ولكن سيكون من الصعب عندما تعلم ان هذا الشخص متمكن من عمله ويتحكم به بشكل كبير ان تسمح لنفسك بالتصرف وفق رؤيتك كممثل. ولكي تثق بالعمل ستحدث نفسك «حسنا، سأمنحه ثقة عمياء.» لذا يتوجب العمل على ذاتك وتقول لها «يا جو، فقط ثقي بعمله.» وحتى لو اصبح غاضباً فلا بأس. (تضحك) عليك ان تقول لنفسك هذا. وبخلاف ذلك عليك الاجتهاد والتميز في عملك. وفي التمثيل اذا حاولت ارضاء المخرج اكثر من اللازم لتكون مثاليا فلن تحصل دائما على حقيقة اللحظة. الامر أشبه بأن تعيش حياتك بحرية او تسيطر على نفسك طوال الوقت. حقا سترى الفرق والاختلاف.

*هل تمكنتي من عيش حياتك بحرية؟
-لطالما وجدت ان بمقدوري الاختيار بحرية لما اود فعله. في البداية بالطبع أقل، لأني كنت بحاجة لكسب العيش، ولكن الحياة لم تبخل عليَّ بالمساعدة. ما عليك الثقة فيه، هو ان الاشياء ستأتي في وقتها المناسب. احيانا تفكر « حسنا، أنا لا اعلم ما الذي سيحدث في العام المقبل»، خصوصا عندما يكون لديك اطفال، وهناك فواتير يتوجب دفعها. ستتساءل مع نفسك، كيف ستسير الامور. ويحدث ان تفاجئك الحياة. لكن المفاجآت تقترن بتحديك لنفسك وبسعيك لايجاد الحلول. فاذا أمتلكت هكذا ثقة فعندها سيكون التزامك تجاه الحياة مختلفا، وبطريقة ما ستشعر انك لست وحيداً.