حائط البؤساء

ضياف البراّق

كالعادة، أهرب من واقعي الخانق إلى الفيسبوك، لكنني لا أجد خيرًا في هذا الأخير. يا إلهي، التعاسة موجودة في كل مكان، والحرب هي الحرب ولو تغيّر شكلها. إلى أين يمضي هذا العالم الأخرق؟ ألى أين نمضي – نحن البؤساء والمجانين؟.. هنا، بل في كل مكان، ليس من شيء يدعو إلى السلام أو الأمل أو التسامي.
أغلبية منشورات الفيسبوك تبعث على التعاسة: هناك منشورات تطفح بالحزن والألم، وهناك منشورات مليئة بالتملُّق والكذب ناهيك عن الأخطاء النحوية والإملائية، وثمة منشورات أخرى، وهي كثيرة جدًا، تصيبك بالصداع، أو بالغيثان، أو باليأس. لكن، تلك المنشورات العنصرية والطائفية، أو تلك التجهيليّة أو التكفيريّة، هي التي ترعبني، بل تصدمني حتى نخاع العظم، وتجلعني أحزن وأشمئزّ من كل شيء. بربكم، لِمَ كل هذا الانفلات المُخيف؟!
أيضًا، هناك منشورات «ساطعة»، لكنها لا تقصد إلى شيء، فلا طعم لها، ولا شكل، ولا معنى، ولا اتجاه. ما أجملك، أيها العدَم! الفقاقيع اللفظية ليست أدبًا ولا شعرًا ولا يمكن أن تكون إبداعًا. لكن، وبشرفي، هذه الفقاقيع أو تلك، محظوظة كثيرًا.. إنها دائمًا تحظى بجمهور واسع يصفّق لها ويرفعها فوق الحقيقة، ومثل هذا الجمهور «المهترئ» يجعلني أشفق على الحياة، وأترحّم عليها. الأدب في المجتمعات المكبوتة، أي التي تخلو من الحرية الفكرية، يغدو كالفقاقيع، أو كالمجاملات الفضفاضة، أو كالمواعظ التكراريّة الفارغة. إذ قلّما نجِد أدبًا حقيقيًا يستحق التقدير في مجتمع راكد تحكمه السلطات المتزمِّتة التي لا تحترم حرية الرأي – أو في مجتمع مُحبَط ومخنوق لدرجة تجعله ينفر من هذه الحرية، أو يطاردها، أو لا يتسامح مع الآراء الجديدة الخارقة لعاداته وتقاليده. لماذا، مثلًا، نجد الدهشة والمتعة والجمال عندما نقرأ الأدب الغربي؟ الجواب سهل: الكاتب في الغرب يملك الحرية الفكرية، فلا يواجه أي تضييق أو تهديد بسببها، فيفكّر التفكير المستقِل، ويبتكِر الآراء الجديدة، لا أن يُقلّد أو يتصنَّع، يبتكِر ويبدع بحرارة وشجاعة وإخلاص.. إن الكاتب هناك يلقى مساحة مناسبة للحوار والإبداع. أمّا عندنا، فالكاتب لا يملك حتى قيمة الخبز العادي. الحياة الإبداعية لا تتقدم ولا تزدِهر إذا غابت عنها الحرية الفكرية. كذلك، اللغة التي لا تتنفّس حريةَ الفكر أو لا تتشرّب من ينابيعها العذبة – هذه اللغة يصيبها الركود، فتذوي وتختنق. لهذا السبب الخطير لغتنا الجميلة تركد وتضيق. حتى في الفيسبوك يقمعون حرية الفكر. أجل، مشكلتنا الأساسية مع الجمود!
ها أنا ذا أبكي في الفيسبوك، أبحث عن نفسي بين صور القتلى والجرحى، أبحث عن آخر كذبة طازجة لفخامة الرئيس، أبحث عن هواء نقي. نَعم، الشِّعر العظيم مثل الهواء النقي، غذاء للروح ومنشطِّ جيد لخلايا الذهن.
في إحدى سهراتي الفيسبوكية الساخنة، تقريبًا في منتصف العام الماضي اللعين: 2018، دخلت صديقة عربية طيّبة، ومن خارج اليمن طبعًا، دخلت تسألني على الخاص، وبكل بلاهة، وبلا خجل: «أنت سنّي أم شيعي؟». بهذا الجهل وحده، صارت حياتنا حزينة، ضائعة، وممزّقة دائمًا. لماذا لا نتعلّم من ماضينا؟ أو من تجارب الآخر المختلف؟ لماذا نقتل أنفسنا بأنفسنا ثم نتباكى، نتمزّق، نموت، نلعن الحياة الطيبة، ونكيل الاتهامات والشتائم لغيرنا أو للشيطان!
على كل حال، سننهض، سنمضي قُدمًا، سننجو لو أردنا النجاة.
الفيسبوك عالم رخو، مهترئ، عدو للوقت، ومليء باللصوص والكوارث، ومع ذلك يظل، بشكل أو آخر، وسيلة عصرية مهمة للارتقاء والانفتاح على عوالم فكرية وثقافية متعددة ومتنوعة ومختلفة. الفيسبوك لا يصنع المثقفين ولا الأدباء، إنما يسمح لنا بالحركة والنهوض قليلًا إن كنا نسعى بالفعل إلى تحقيق هذه الغاية الرائعة. كثير من الذين لم ينجحوا في الواقع حققوا نجاحًا كبيرًا في الفيسبوك. الفيسبوك حظُّ الفقاقيع، ومأوى دافئ لأولئك المشردين من أوطانهم وأحلامهم.
أحدهم يهين زوجته في الواقع، يضربها مرة أو ثلاث في الأسبوع، أو يجوِّعها وأطفالها في معظم الأيام، وفي الفيسبوك يستعرض عضلاته الأخلاقية، فيكتب عن حقوق المرأة، ويطالب بإنصافها واحترامها وتقديسها… يا له من شرير!
كائن فيسبوكي آخر، لطيف كما بدا لي، ينشر صورة ركيكة لجدته التي ماتت قبل نصف قرن، ثم يطلب من المتابعين أن يترحّموا عليها، كما يرجو منهم الدعاء لها بالغفران والفوز بالجنة. هذا هو الفيسبوك: خليط كثيف، هائل، خليط من التكرار والتصنُّع المقرف والفقاقيع. ففي إحدى المرات الجميلة، وردني هذا الإشعار الفانتازي: «أرسل إليك عزرائيل طلب صداقة»، وافقتُ على طلبه بدون تأخير، إنه يستحق، ورحّبتُ به بكلمة واحدة: «أحبك». إنه عزرائيل: حارس الوطن، وصديق العُمر!
في الفيسبوك، بلا شك، الجميع يرتدي رداء الإنسانية، والجميع يدّعي أنه على حق! إنني لا أثِقُ بالإنسانية الفيسبوكية المثقوبة. نَعم، المبدعون الذين يستحقون الالتفات والتشجيع والمتابعة، لا قيمة لهم في فضاء مارك الأزرق ( وبالأصح: الفضاء الأسْوَد!)، كما لا قيمة لهم في أوطانهم السابحة في الوحل والبارود.
لا خير هنا، لا حقيقة، لا كلمات صادقة تواسيني.. ها هو وجودي الفيسبوكي يسوء يومًا بعد يوم. بالمناسبة: حظرتني اليومَ آخر حبيبة فيسبوكيّة لي. الأمل حظرني أيضًا. أنا وحيد يا الله، والوطن لم يوافق بعدُ على طلب الصداقة.
في المستقبل القريب، سأعترف على حائطي السوداوي..أجل، سأعترف بأن هذه الأقوال الرنّانة لا تروق لي البتّة، ولستُ أؤمن بها:
– من أحب الحياة، عاشَ ذليلًا. (أمّا أنا فأقول: من أحب الحياة، عاشَ عزيزًا).
– الإرهاب لا دين له!
– المرأة باب الجحيم (مَثل لاتيني).