طالب عبد العزيز
في رواية (الفيسكونت المشطور) لإيتالو كالفينو(1923-1985) ينشطر البطل «مدرادو دي تيرالبا» بفعل قذيفة في الحرب، الى نصفين، يمثل (الشر) طبيعة وسلوك النصف الأول، ويكون مهيمناً بقوة، فيما يكون نصفه الثاني (الخير) قد أخذ الطباع الأخرى، الذي سيهيمن على الصفحات الاخيرة، وتفاصيل الرواية القصيرة نسبياً، في عمل يذكرنا باعمال كالفينو، حيث يعمل الخيال ما لا يمكن للوقائع عمله. تذكرتُ الفيسكونت المشطور ثانية، بعد إعادتي قراءة رواية (لاعب الشطرنج) لستيفان تسيفايج(1881-1942) حيث ينقسم السيد(ب) غريم البطل (زينتوفيك) وديعة أحد السجون النازية الى اثنين على رقعة الشطرنج، التي يصنع قطعها من فضلة الخبز، يعجنها ويشكل منها الجنود والقلاع والفيلة والأفراس ويستمر نصفه الابيض يلعب مع نصفه الاسود، داخل السجن النازي، في صراع غير منقطع، تغلب عليه الشراسة والفوز، غير منحاز الى أي نصف منه، فهو ينتصر على نفسه بقوة نفسه، ويخسر نفسه بخذلانها وعجزها، في متوالية بين اثنين ندّين، داخل جسد سجين واحد.
قد لا يبدو ثمة وجه من أوجه التشابه بين الروايتين، وتبدو ساذجة كل مقاربة بين الابطال في العملين الرائعين، لكنني، وجدتُ أن ما يصنعه الخيال في العمل الادبي شيء، قلما نجده في كثير مما نقرأ. يقول كالفينو بانه أحتاج الى شطر بطله في الرواية الى شطرين، لكنه لم يكن يعرف السبيل، فقد كان طامعاً بالنأي عن تناول أحداث القرن العشرين، على حروبه الكثيرة، فذهب الى الحروب التي حدثت في القرن الثامن عشر، يستل منها مادته، ولما لم يكن المدفع قد اخترع بعد، فقد ظل حائراً في إيجاده، وهكذا، أدخله الى متن الرواية، لتقوم قذيفته بشطر بطله مدرادو الى شطرين، ومثل ذلك، أراد تسيفايج لبطله السيد (ب) الذي لم يلعب الشطرنج، بل لم ير رقعة اللعب من قبل، لكنه جعله ومن داخل سجنه أسير لعبة تعلمها مضطراً، ثم يصبح واحدا من (لاعبيها) الكبار،هي واحدة من فنون الرواية، التي يعجز عنها الخيال نفسه.
يقول كالفينو عن بطله بانه «الوجود المحروم من الوعي، أو هو المحروم من التماثل مع العالم الموضوعي، محروم من الخصوصية الجسدية، ومحروم من خصوصية الوعي، أيضا». إذن، نتحدث عن وعي هو خارج الثنائيات، بمعنى أن مسافة وعي أخرى تكمن بين عنصري الخير والشر، ومسافة عريضة من الضوء وعدمه تقع بين عنصري الشمس والظلام، وما يظهره الانسان من اللطف لن يكون كلياً، كذلك يكون ما يظهره من القسوة. وفي مجمل ما نقرأ ونعيش ونوجد، سيكون بمتناولنا العثور على فجوات واسعة أخر، وتتراءى لنا مع من نحب ومع من نكره، وفي البيت وفي السوق وفي الوظيفة وأمكنة كثيرة. الروايات والأعمال الفنية العظيمة ذات الجهد الذي يستل مادتها من الخيال، تمنحنا مادة ما نتوقع حدوثه في الحياة، نحن مدينون الى الأخيلة، التي ستظل ترأب بخطيها الخفي، ما يخلفه الوعي التقليدي في جسد المعنى من شقوق وخلاصات.
أمس، مررت بالمكان الذي كان نجارو (قرية أبي مغيرة) يصنعون السفن على أرضه، سأدعوه المسفن، مسفنهم، الذي لم يبق منه سوى أصول أشجار عملاقة، ركنت على ضفة نهر صغير، ولم تعد بمنتاول أحد. بعد أن اختف المناشير وآلات الحفر والتعشيق والربط، اختفت المطارق والمسامير العملاقة، مثلما اختفى النجارون انفسهم، أو تحولوا في الزمن والمسافات. تحول المسفن الى مخزن لبيع الاعلاف، فامتلأت عنابره بأكياس النخالة والتمر الحائل ورزم التبن، يدخله عتالون فيختفون ويخرج صاحبه، يحمل أوراقاً ويتسلم نقوداً. هناك وجود محروم من الوعي بتعبير كالفينو، لا يمكنني تسميته الآن. بين مشهد السفينة، التي قد يستغرق بناؤها سنة أوسنتين، أو أكثر ربما، ولحظة دخول العتالين عنبار المخزن، وخروج صاحبه، يحمل أوراقاً ويتسلم نقوداً، هو وجود الخيال بمحامله التي لا تنقضي، هو الحرمان من التماثل العام، فالسفينة على اليابسة، أو وهي تنزلق الى صفحة الماء، وتتهادى على الموج، وتمخر بعيداً، أعالي الشمس والسحاب، ليست هي التماثل التام مع المخزن بوقوفه الابدي، بظلمة عنابره وضجر عتاليه ويأس صاحبه.