رامبو وكومونة باريس

د. حسين الهنداوي

تشير رسالة اكتشفت مؤخرا ان الشاعر الفرنسي آرثر رامبو وقف الى جانب انتفاضة عمال باريس المعروفة بـ “كومونة باريس”، متأثرا بالافكار الثورية والاشتراكية وبالحماس ضد الاستسلام للغزو البروسي لبلاده. ويبدو من خلال بعض تلميحات الرسالة المؤرخة في ١٦ نيسان ١٨٧٤، ان رامبو كان يتابع من مسقط رأسه شارلفيل، التطورات السياسية والعسكرية التي ادت الى ثورة باريس، وانه قام في مطلع 1871 بعدة رحلات ذهاباً وإياباً بين شارلفيل وباريس بل ربما تم ضمه خلال الكومونة إلى “فريق رماة” تابع للثورة فيما تعبر بعض قصائده اللاحقة للأسبوع الدامي من عمر الكومونة (21-28 ايار 1871) عن نفس ثوري ضد السلطة البرجوازية المنتصرة.
وكانت الثورة الباريسية تلك التي أدت الى قيام أول دولة عمالية في التاريخ ، اندلعت في 18 آذار 1871 إثر سلسلة من التطورات الاقتصادية والسياسية مرت بها فرنسا آنئذ لكنها لم تستمر الا اثنين وسبعين يوماً حيث سقط آخر مقاتليها في 28 ايار 1871.
والرسالة غير المعروفة سابقاً، موجهة من لندن في شهر نيسان 1874 الى جول اندريو اذ تم اكتشافها مؤخرا بنصها الاصلي بين اوراق اندريو وهو صحفي وشاعر وباحث كان زميلا لفرلين في المدرسة بباريس، كما كان من رجال الكومونة لكنه تمكن بعد قمعها من الهرب الى المنفى بلندن حيث عاش بيـن 1871 و1881.
ويلاحظ الباحث الفرنسي فريدريك توماس، الذي نشر عدة دراسات عن رامبو، من بينها “رامبو وماركس”، و”سان جوست ورامبو” و”رامبو والثورة”، ان هذه الرسالة التي وصفها بالاكتشاف “الاستثنائي”، تفتح آفاقا مثيرة لاستكمال وتجديد الدراسات الرامبوية مشيرا الى انها تتطرق الى مشاريع رامبو الأدبية في تلك الفترة.
وجاء اكتشاف الرسالة في أرشيفات جول لويس أندريو (1838-1884) التي تم نشرها مؤخرا ضمن عرض تعريف موسع بسيرة حياته على الإنترنت. ورغم بعض الحذر حول صحة نسبها الى رامبو، يبدو إن النسخة الأصلية وروح الرسالة يدفعان إلى الاستنتاج بصحتها. فالرسالة مكتوبة من لندن بالتزامن مع انشغال رامبو بمراجعة نصوص قصيدته الشهيرة “استشراقات”، حيث كان قد عاد الى لندن برفقة الشاعر جيرمان نوفو.
وتزداد اهمية الرسالة بشأن علاقة رامبو بالكومونة انها مرسلة الى جول أندريو الذي لم يكن مجرد باحث وصحافي وشاعر، بل أحد قادة الكومونة ومؤلف كتب عنها من بينها كتاب “ملاحظات اساسية حول تاريخ كومونة باريس عام 1871 “، لكنه تمكن من الاختباء بعد القضاء الدامي على الكومونة ثم الهروب إلى لندن حيث سيتعرف عليه رامبو عبر صديقهما المشترك فرلين في ايلول 1872.
وكان جول اندرو يدير في الواقع مجموعة سياسية ثقافية صغيرة من أدباء ومثقفي المنفى معظمهم من مناضلي الكومونة كانوا قد هربوا من فرنسا، وكانت تمثل ما يمكن تسميته بـ”الوسط الطبيعي” الجاذب لامثال فرلين ورامبو وسواهم فيما كان اندرو بمثابة “الأخ الروحي” لاعضاء هذه المجموعة، التي تجمع اعضاء من امزجة مختلفة تشترك في الرغبة بتجديد العالم وإعادة السمو للعلاقة بين الكلمات والأخلاق، وبين الشعر والفعل.
ان محتوى وأسلوب هذه الرسالة هما ما دفعا الى الاعتقاد بأن رامبو هو كاتبها بالفعل. فهذا الكم المدهش من المعلومات والكتب الوارد فيها، وهذا الصبر النافذ حيال كل شيء وكل زمن، يؤكد تماما ما نعرفه عن اسلوب رامبو، فضلا عما تعكسه الرسالة من أصداء العديد من قصائده فيما تأتي الإشارة إلى فلوبير وكينو وخاصة إلى ميشليه في انسجام كامل مع التراث الرامبوي.
كما ان تعرض هذه الرسالة الى فكرة “التاريخ الرائع”، يؤكد ذكريات عن مشروع منسي لرامبو بهذا الاسم جعله يبدأ بسلسلة من صور الماضي تكشف بذاتها في الرسالة عن ذات النبرة الساخرة، والسلاسة والتقلب الاسلوبي الخاص المجتمعة في محاولة واضحة في هدفها الى اعتبار تاريخ كومونة باريس بانه ضرب من”العمل النبيل.”