زهير الجزائري والكتابة بحير الأمكنة أحب ثمالة الهزيمة

حوار – رجاء الشجيري

ولد في النجف وعاش طفولته فيها متأثراً بناسها، وتشرب روح أماكنها، روائي وكاتب صحفي وباحث ميداني؛ درس الأدب الألماني في كلية اللغات جامعة بغداد، ودرس اللغة الانجليزية في جامعة كامبردج انجلترا.. مر بسلسلة منافٍ قسرية عبر بلدان عدة ليستقر بعدها في لندن.. زهير الجزائري الذي لم يغادره العراق حتى في أحلامه وتفاصيله طوال وجوده في لندن لأكثر من ٢٦ سنة «كل أحلامي ليس فيها أي مكان أو تفصيل للندن أبداً.. دوماً أحلم بالعراق وكيف وصلت ليلاً وأنا أشعر بالخوف من ضوء الصباح متخفياً في مكاني وتائهاً أريد أن أجد بيتي، ولم أكتب عن لندن سوى بضع صفحات في كتاب «حرب العاجز» وهو كتاب عن عودتي إلى العراق»

التقيناه في أكثر من محطة لقاء وحوار.. الأولى عند زيارته مقر جريدتنا «بين نهرين» في شبكة الإعلام العراقي وحميمية الأجواء مع كادر الجريدة احتفاءً به.. والمحطة الثانية كانت في مقهى «رضا بن علوان» وحوار يشوبه الكثير من الحنين والبوح والذاكرة المتقدة لأحداث بلاد وعباد..
بدأ الحديث وهو يبتسم عند مشاهدته شاشة التلفاز أمامه وهي تبث مشاهد الفرح والاحتفاء بعيد الشرطة.. ليعلن سروره وحنينه لمواكبة هذه المناسبات مع الناس هنا في بغداد حيث قبلها كان عيد الجيش العراقي وأيضاً احتفاء بفوز منتخبنا بكرة القدم على فيتنام.. منتشياً لمشاركته روح هذه الأفراح الجماعية.

ويستطرد زهير الجزائري بداية رحلة منفاه بقوله: «غادرت العراق ١٩٧٩ بجواز سفر أردني مزور، كانت لبنان أول محطة لمنفاي.. وخلال المنفى بدلت الكثير من المنافذ والبلدان قبل الاستقرار في لندن.. حيث سكنت خمسين بيتاً تقريباً. فحياتي في المنفى هي سلسلة انتقالات. كنت في كل منفى جديد اقوم بتأسيس مكتبة وبيت ثم اقتلع من مكاني مجبراً وهكذا.. لم استقر في مكان واحد.. وبقيت أحاول الاستقرار مما ولد لدي انوستالجيا للمكان وهاجساً وحنيناً إلى الأماكن السابقة التي تركتها.. محاولاً استعادة الذكريات المتقطعة للأمكنة..
محلة «البتاويين» عشت فيها ٧ سنوات وهي آخر محطة وبيت لي في العراق قبل المغادرة.. البارحة قضيت اليوم في شوارعها أزقتها وبقيت أدور حول البيت القديم الذي سكنته في السبعينات».

بواكير الشرارة الروائية

عن بداياته الروائية وولوج عالم السرد كانت «المغارة والسهل» أول رواية له، وهي عن حدث حصل بالتزامن مع أحداث ايلول ١٩٧٠ الحرب والمعارك في الأردن بين المقاومة الفلسطينية والجيش الأردني.. يقول عن أحداثها: «كنت حاضراً الحدث وشهدت انسحاب المقاومة والانعكاسات النفسية لهزيمة المقاتلين. وحوادث ايلول كانت أول دراما أعيشها شخصياً واثرت بي المشاهد كثيراً.. مشاهد المستشفى. وويلات الجرحى فيها ظلت في ذاكرتي تراودني ككابوس ومشاهد القتال في الخارج أيضاً وهذا القوس النازل من الايمان بالنصر إلى الهزيمة والحالة النفسية التي سيطرت على المقاتلين الفلسطينيين كانت شرارة كتابة الرواية بعد سنة من هذه الأحداث حيث كتبتها ورجعت إلى العديد من الوثائق التي نشرت وقتها لكي أجعل الحدث ليس فقط شخصياً انما لشخصيات عديدة.. وهكذا لا أحب صورة الهجوم والعام والشامل في الحرب.. انما دائما ارصد الثمالة المرة للهزيمة في كتاباتي»..

مضامين

زهير الجزائري له «٢٦» كتاباً تتراوح بين السيرة والرواية وهي تقسم إلى ثلاثة أنواع من الكتابات:
القسم الأول / يبدأ من أول رواية له وهي رواية مبنية على تجربة شخصية وصحفية في تغطية الحروب.. حيث غطت تسع حروب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
يقول الجزائري:» وكل تجاربي على الجبهات كنت استبعد فيها البطولة الخارقة وأحاول أن أترصد نقاط ضعف الإنسان وهو على حافة الموت، فرواية «المغارة والسهل» عن مقاتلين مهزومين.. وانعكاسات الهزيمة في سلوكهم ومحاولاتهم والكبرياء والتواصل فيما بينهم.. في أغلب الكتابات لم أركز على الجبهات العريضة للحرب انما ركزت على الجانب الإنساني للفرد وتردداته وهي هاجسي في كتاباتي».
القسم الثاني.. كتب عن شخصية الدكتاتور أو المستبد التي استغرقت» ١١ سنة «من حياته في البحث والكتابة.. وكتابه «المستبد» الذي هو دراسة عن الدكتاتورية الشرقية وفي رواية «حافة القيامة» و كذلك «الخائف والمخيف» درس أيضاً المستبد ككائن إنساني وحاول إلى حد بعيد التركيز على خصائصه الشرقية بعيداً عن نموذج أمريكا اللاتينية.
القسم الثالث.. المكان.. وكتاب «النجف الذاكرة والمدينة» وروايته الجديدة «باب الفرج» وهو استعادة لمكان الطفولة والشخصيات وترميم الماضي وهو نوع أيضاً من العلاج النفسي لدراسة المكان والأحداث التي حصلت في المكان وأرضيتها كما يؤكد الجزائري.

وعند سؤاله عن كتاب «النجف الذاكرة والمدينة» وماهيته حدثنا عنه بقوله: «عدت للنجف بعد ٢٥ سنة وهي مكان الولادة.. خلال فترة المنفى قرأت كتباً عن المدينة ولكن ما قرأته عنها في الغالب هو وصفها مع هالة من التقديس التي تطغى على التفاصيل الحية فيها. حاولت في الكتاب تجنب المقدس ووضعه في انعكاسات الحياة اليومية لمدينة ذات خصوصية وتمايز. كونها مركزاً دينياً وتجارياً. وتناولت شخصيات قريبة من عائلتي أعرفها.. وهي سيرتي كطفل ومراهق وسيرة مدينة.. الأجيال الجديدة التي بالمدينة والمهاجرة.. لم تعرف المدينة التي أتحدث عنها» مؤكداً أنه «في رواية «باب الفرج» ذهبت أبعد من مسيرتي الشخصية وأبعد من مسيرة أجدادي.. ففيها أحداث النجف من ١٩٠٦ إلى ١٩١٩ فترة شهدت احتلالين عثماني وانجليزي وكيف انعكست على الحياة وشخصيات المدينة في تلك الفترة وتناولت حوالي ٢٦ شخصية في الرواية قسم منها حقيقي وقسم آخر مركب.. تناولت فترة زمنية طويلة لأكثر من عشر سنوات حاسمة في تاريخ العراق عن تجربة لم أعشها أبداً فاعتمدت على كل الوثائق والمذكرات وكل مخيلة حاضرة كانت تريد أن ترى المدينة وكيف كانت وكان الحدث والمزج بين المخيلة والوثيقة وبالتزاوج بين الذاكرة الخاصة والذاكرة الجماعية الاجتماعية للتاريخ ما هو اجتماعي يتحول إلى شخصي وما هو شخصي يتحول إلى اجتماعي.. والراوي في روايتي هذه يطير فوق المدينة يتخيل ذلك ويرى الأحداث من الأعلى ضمن خارطة واسعة جغرافياً واجتماعياً.. والأساطير والمعتقدات في مدينة دينية تصبح معاشة وجزءاً من الحياة اليومية لها»…

السياسة والكتابة

الجزائري من جيل له مناخه ومزاياه في السياسة والكتابة لذلك عند سؤالنا عن أسلوبه ومدى تجربته السياسية أجابنا بقوله: « أنا من جيل الستينات.. الحدود بين الأجيال ليست قاطعة انما ممتدة ومترابطة. في فترتي كانت الحرب الفيتنامية تشغلنا آنذاك وعموم حركات الكفاح المسلح ومنها الأيقونة الثورية «جيفارا» فقد شكلت وعينا السياسي اليساري.. كنت أعيش هذه التجارب مع اليسار العراقي ومع حركات سياسية عربية طوال هذه الفترة.. وتجربة الكتابة الستينية تركز على ذات الكاتب .. فكتاباتي هي السياسة في بعدها الذاتي والتجربة العراقية تختلف عن التجارب الأخرى.. حيث في التجارب الأخرى يمكن الاختيار بأن تكون سياسياً أو لا تكون.. أما في التجربة السياسية العراقية فالأمر ليس بالاختياري انما تدخل السياسة من شبابيكها وأبوابها ومن الصعب تجنبها في المواقف. وفي الكتابة كنت أتجنب الايدلوجية المباشرة وأتجنب توظيف الرواية للسياسة ولكن أبداً لم أتجنب تأثيراتها على حياتنا كأفراد».

الهوية العراقية قبل وبعد سقوط النظام المقبور

ليس للشخص الواحد هوية واحدة هكذا يضيف زهير الجزائري: «بل هناك هويات.. الهوية الدينية والهوية القومية شكلان من أشكال متعددة.. هويتي ككاتب أتصورها الأقوى وهويتي كمنفي متداخلة مع هويتي كعراقي. وهويتي كواحد من طبقة متعلمة ومتوسطة أيضاً تضاف لها.. فأنا نشأت في مدينة «الهويات فيها تتجاور».. قبل السقوط هناك هرم يمسح الهويات الفرعية والخصوصيات الفرعية حيث كلها تتجسد بحزب واحد وقائد واحد.. فكانت محتواة بشكل قسري..

اما بعد السقوط.. عادت الناس إلى هوياتها الفرعية ولكن كثيراً ما تتجسد بحدث رمزي كفوز منتخب كرة القدم العراقي في سبيل المثال والشعور الموحد والجماعي للفرح».

العمل الصحفي في
البحث الميداني

عن الصحافة وتطويع المشاهدات كباحث أيضاًحدثنا قائلا : «بدأت عملي الصحفي عام ١٩٦٨ ككاتب تحقيقات، واعد التحقيق الصحفي أقرب الفنون الى الرواية وماركيز أيضا قالها في كتابه «عشت لاروي» فالتحقيق الصحفي قائم على السماع واستخدام كل الحواس فانت تسمع وتشم وترى وتلمس الحدث وتكون في ميدان الموضوع.. ولغة الصحافة لغة يومية مباشرة لا تتحمل كثيرا البلاغة والمجازات الأدبية صحيح ان العمل الصحفي اليومي يستهلك الروائي.. ولكن المشاهدة تعين الروائي بالصور والمواضيع وحتى الشخصيات. ففي روايتي «الخائف والمخيف» استخدمت كثيرا التغطية الصحفية لأحداث في السودان وليبيا لتصوير المكان وأحياناً أحتاج الى وقت للفصل الزمني والاستراحة لكي انفصل عن اللغة الصحفية واللغة الأدبية.. كما ان لغة الصحافة تعلم الكاتب على الاستمرارية بالكتابة حتى بدون مزاج لانها تصبح مهنة؛ حرفة تعلمه ان اي حدث قابل للكتابة عنه وهذا مهم للروائي.»

وقد بادرنا بسؤاله عن قراءته للمشهد الإعلامي الآن ليضيف: «من أول خصائص المشهد الإعلامي حالياً تقلص الصحف المستقلة التي قام بتسميتها أحد الصحفيين بـ «التسونامي الإعلامي» الآن ترى الصحف المستقلة اما اغلقت أو انحسرت ورقياً في عدد الصفحات وتقلص الكادر فيها أيضاً.. في السابق كان الصحفي له حرية التنقل من صحيفة إلى أخرى حسب ما يريد ويلائمه.. اما في الوضع الحالي أصبح الاختيار ضمن صحف الأحزاب الحاكمة التابعة للسلطة صحافة الرأي اختفت أو قلت.. كما أن القارىء ليس لديه الوقت لقراءة المقالات الطويلة ذات الطابع التحليلي «الموبايل» أصبح بديلا ًعالمياً للصحافة الورقية وحتى التلفاز».

الجواهري.. الذي لم يره أبداً

زهير الجزائري كان من المقربين من الجواهري وشهد جواره في ثلاثة بلدان ومراحل وكان له كتاب مهم عن سيرته الذاتية ويومياته حدثنا عنه بقوله: «كان الجواهري قريباً من بيتي.. لكنني لم أره أبداً.. والدي كان يردد شعره دائماً في احاديثه ونحن جيل الستينات نعد الجواهري يمتد كشاعر كلاسيكي لكنه أيضاً خاتمة أكثر من ١٠٠ سنة من هيمنة الشعر العمودي وتمسكه بالصورة والحركة كانت تهم جيلنا لأنه أقرب الكلاسيكيين إلى الشعر الحديث.. في منفاي الثاني في دمشق كان الجواهري أيضاً قريباً مني في السكن للفترة من ١٩٨٤ الى ١٩٨٩ فكنت ازوره واتردد عليه دوما.. وفي يوم ما كان يريد كتابة يومياته فسأل أصدقاءه عمن يكتبها له.. فقالوا له أفضل من يساعدك هو جارك في النجف وجارك في دمشق هنا أيضاً.. وطلب مني أن اساعده في كتابة يومياته وساعدته في الفترة الممتدة من طفولته إلى الثلاثينات.. وقد سحرني الجواهري كإنسان وذاكرة..

رجل عاش كل أحداث عصره وذاكرته قوية جدا.. الفرق بيني وبينه انه؛ شاعر أنا ناثر أو روائي خلال كتابة اليوميات هو أراد مس الحدث وبناء فكرة عن الحدث نفسه الذي عاشه وحوله الى قصيدة.. كنت استفز ذاكرته الوصفية عن كيف جرى الحدث كنت أترسم الصور وهو يترسم الكلمات والحوار بيننا كان صعباً جداً لأني كنت أراه عملاقاً.. لكن في الدأب والمراجعة حولناه إلى شكل مجسد. ثم بعد ذلك جاء الجواهري إلى لندن بعد ١٩٩٠ وكنت معه ارافقه دوما في زياراته وبدأنا شكلاً جديداً من المذكرات كانت كالاتي(هو يختار مقطعاً من قصيدة وأنا مستعيناً بذاكرته أكتب كيف كتبت القصيدة وبأي مناسبة وتحت اي انفعال وكانت هذه التجربة خلال سنة ونصف.ونتج بعد ذلك كتابي عن الجواهري الذي في جوهره الجواهري كإنسان…»