سبورة العائلة

وسام هاشم 

جود المغمور

عندما هرب من البلاد كانت الشمس في منتصف السماء والنهر في آخره .
لم يترك خلفه سوى (جود المغمور ) لتوماس هاردي وفتى مغموراً لطالما مشط له شعره وبعثره.
اوجعته المدينة فاوجعها وصاحب كلابها السائبة وخماري حاناتها ومكتباتها، العتيقة خاصة.
افتى بجدوى الحقول ومعنى العضلات في سارتر والافيون في بودلير والدمعات في عبد الحليم حافظ .
وافتى أيضاً بأنه حين يغادر سيتركني وحدي وسأعيش بكائي، هكذا كان يسمي حياتي .
أنا ظله في بغداد هو ظله فيّ.
ستعبره السنوات وحيداً ولن تراه البلاد أبدا.
لم أحمل معي أثقل من صراخه الدائم :
البلاد إلى الهاوية ولا قاع لها.
المحقق قال له: أنت سريع لم تلحق بك سيارات الأمن .
قال للمحقق: أنا من بلاد بطيئة .
جودي أخي أو جود المغمور بقي في ايطاليا مغموراً وسيموت هناك وهو يغني (موعود) .
في النارنج وجدته في النعناع وفي صالات ملاكمة السلطات .
في الصحيفة الناحلة والكتاب السمين ونعاس عمال المطابع.
في نرجسة يضعها تحت وسادتي ويظن انها الشمس.
صورته في منزل العائلة ثملاً ينثر صحن الرز وهو يصيح : تلك هي الحرية..
لم تطأ أقدامه أرض العسكر وغادرت قاعة الصف وفي طين الكتب غرسها.
ثمة رجال هم طابو أخضر لبلدان سود.
منسيون في البحر ومذكورون في البر.
يكفي ان تفتح أزرار نخلة فيبتسموا لك.
جنيو البساتين وملائكة على أكتاف الفقراء.
في عنق شمال ايطاليا أشار إلى زوايا بيروجا وهمس لي :
بينما كانت تفاحتك تنضج هناك كنت اقبَل نسوة العالم هنا.
أنا خائف يا أخي
وأبي مات خائفا
والعراق خائف
ويدي معك.
الحرب اتت يا أخي ونامت فوق السرير الذي تركته ..
لم تخرج لكنها اخذت منا شمعتنا تذكارا لليلها الطويل.
واخشى من قبرين بأسمك.

سبورة العائلة

عمي عبد القادر في البصرة، يشبهني لكنه انحف من ريش السعف ويحب أقلام الباركر والساعات وكأس العرق حتى المغشوش .
عن هاجس المعلمين بين اخوته خرج إلى أرقام هواتف مدينته .
عمي عبد القادر مات الليلة وولدت غدا.. لم أره لكني اشبهه .
في منزله النائي يخفي أكداس سنوات وساعات بعضها خسرت فجرا .
حين بعثوا له رجلا يسرقه .. ابقاه ليلتها في باحة البيت واسكره وأعطاه المجد والنخلة والأحزان ملفوفة بالصفحة الأولى من الجريدة ولوثه بالأحلام .
العزلة عن العائلة مثل ذئب صغير ..
النوم مع المدينة كاملة تحت مصابيح الزيت.
ابعدوني عن أخوتي والقوا بي في الطرقات ..
يصرخ في العهد الملكي وفي الجمهوري يموت ..
البصرة يا ابتي ليست شطا ..
البصرة منفى وبلاد .
والبصرة بلاد ومنفى .
كان يتمتم في قبره في الليلة التي سبقتني.
لكأنه استبدلني به والمنفى بحياتي،

عمي عبد القادر العمارتلي المنفي في البصرة.
قبران باسمه

نصف دينار عراقي رطب
زهور عيد الايستر الصفراء على طاولتنا .
هكذا حلمت الليلة.
وكنت على غير عادتي أتوسل إليك ان نرقص .
لايمكن للرجولة ان تكتمل بغير الرقص وزهور على طاولة ولا للأنوثة.
هناك أيضاً طلقة واحدة ودفتر الخدمة العسكرية
ونصف دينار عراقي من النخل الصافي .

على الطاولة،
حياة تتدحرج أو تسيل .
درس هذا الصباح بسيط جدا:
العشب أب والماء أم .
لا تكتب في منتصف السطر فعلاً ماضيا.