مهند الكوفي
إميل سيوران، واحد من أعظم فلاسفة العالم، حيث ينتمي إلى العظماء من فلاسفة الأخلاق والكتّاب المأثورين في فرنسا وأوربا. أمثال كمونتاين، شامفور، باسكال، لاغشفكول، شوبنهاور. يعدّ سيوران الكاتب الروماني الفرنسي، كما أطلق عليه، من أهم الكتاب الذي أثروا بشكل نفسي في جماهيرهم. لكلّ أديب وجهة نظر مهمة، أما سيوران له وجهة نظر مخيفة. فكرة الانتحار من أبقتني حياً، لولا هذه الفكرة لقتلت نفسي منذ البداية. لاني بوسعي الموت متى شئت. وفعلا انا مدين لفكرة الانتحار لولاها لم أكن أتحمل عبء الحياة. الإحساس بأنّك عالق هنا في هذا العالم. بالنسبة لي فانا أرى أنَّ الانتحار والحرية وجهان لعملة واحدة. أدركت في الحياة، أنَّ قلة من الناس فهموا ما لم يفهمه كبار الكتاب. أدركت أنَّ الموهبة أفضل وسائل التزييف. مؤلف كهذا يُقرأ له في لحظات اليأس والتشاؤم. سيوران من الكتّاب الذين لا يمكن الكلام عنهم في أسطر، مجنون آخر من مجانين الأدب العالمي.
ولد في راسيناري، رومانيا في ابريل سنة 1911. كان والده قساً ارثوذكسياً يونانياً وكان لهذه الوقائع أثر في أعماله. أصله الروماني كان مصدراً لطبيعته الكئيبة. وكان دعوة والده الدينية؛ أثر في انغماس ابنه التام في مواضيع الإلحاد .في سنة 1934، حينما أصبح عمره 23 سنة، نشر أول كتاب له باللغة الرومانية. تضمّن الكتاب بداية واضحة لتفكيره الكئيب والعدمي، الذي طوّره خلال حياته. وصرح بان الكتابة كانت بالنسبة له مناصاً عن قتل نفسه. سنة 1937، كانت سنة تحوُّل لسيوران؛ انتقل إلى باريس، وأصبح مواطنا فرنسيا، ولم يعد أبدا إلى مسقط رأسه. حيث كان هذا سببا آخر لسوداويته؛ النفي عن موطنه. كان يؤكد على أي شخص لا يشعر أنَّه منفي فلا مُخيلة لديه، أبله القرية وحده من يشعر بالانتماء. نشر كتابه باللغة الفرنسية «فتنة الوجود» و «أزمة أن تولد» كل كتاب يتناول موضوعات المرض والموت والانتحار. تعدّ كتاباته السوداوية امتدادا لكتابات أولئك الاوربيين العظماء، أمثال: لاغوشفكل، ليوباردي، نيتشه، صامويل بيكيت. الذين رأوا ان العالم الهاء تافه عن الوجود الذي لا معنى له. من كتبه أيضا: «تاريخ ويوتيوبيا»، «المياه كلها بلون الغرق» العنوان الأصلي للكتاب، « مقايسات المرارة». كذلك « مثالب الولادة» و «لو كان آدم سعيدا». توفي سيوران سنة 1995، وأصبح منارة ثقافية في فرنسا وأوروبا.
• من أساء إلى اللغة الفلسفية باستعمال الأسلوب الألماني في الخطاب؟
بصراحة، عندما كنت يافعا أخذت على عاتقي الرطانة الألمانية. اعتقدت أنَّه لا يجدر بالفلسفة أن تكون متاحة للجميع، وان الدائرة أغلقت، بعد ذلك اكتفت الجانب المختلف من اللغة الفلسفية. وساعدني في ذلك «فاليري» لم يكن فيلسوفا ولكنه كان ذا تأثير على الفلسفة. على أي حال كان التأثير الألماني واضحاً في فرنسا، حتى الفرنسيون لم يعودوا قادرين على التعبير ببساطة، من الواضح أنَّ سارتر وهيدجر ساهما بشكل او بآخر في إيجاد هذا الأسلوب.
• يقال كثيراً إنَّ سيوران أصابه الجنون لا الأرق؟
أجل، في غواية الانتحار. في رأيي، أنَّ عمليات الانتحار، نتيجة الأرق الذي يلازم الانسان، هو جنون بحد ذاته، انا مقتنع بذلك.
• لماذا هاجرت إلى فرنسا؟
هاجرت من رومانيا إلى فرنسا، لما يفعله الناس من قبح وما يفعلونه لا يقبله المنطق. بالنسبة لي لا استطيع الذهاب معهم بنفس الطريقة، لا استطيع التعايش معهم، كان الوضع السياسي والسلطوي في رومانيا، أثر سلبا على حياتي، فتولد عندي عدم الراحة من الأمر. استقلال المجتمع عندي، أهم من استقلال الدولة.
• حدثنا عن الأرق الذي أصابك؟
ببساطة، من هنا تولدت عندي فكرة الانتحار، هذه الفكرة من أبقتني حيا، لولا هذه الفكرة لقتلت نفسي منذ البداية. بوسعي الموت متى شئت. وفعلا أنا مدين لفكرة الانتحار لولاها لم أتحمل عبء الحياة. الإحساس بأنك عالق هنا في هذا العالم. بالنسبة لي فانا أرى أنَّ الانتحار والحرية وجهان لعملة واحدة، بسبب الحبوب المنومة، استطعت أن أنام ساعتين او ثلاث تقريبا، كنت أعاني من الكوابيس المرعبة.
•كيف تعاملت مع تجارب الحياة؟
يجب على الانسان أن يقوم بتغيير اسمه بعد كلّ تجربة مهمة، قلت ذلك أكثر من مرة، وإلا فلا فائدة منا فيما بعد. فانك تشعر بشخص آخر، ولم تعد أنت. فعليه حياة أخرى يجب أن تبدأ، واسم جديد يرافقك، أظنه إحساسا عابرا.
• هل أضاف الأرق لكتاباتك؟
بالتأكيد، كل ما فكرت به كان نتيجة الأرق، اعتقد أنَّ تجربتي بدون الأرق كانت متوترة جدا، من خلال الأرق اتخذت من الأشياء بعدا آخر.
• هل تعلَّمت اللغة الفرنسية في رومانيا؟
ولدت في منطقة سيبيو، أبواي يتكلمان اللغة الرومانية والهنغارية. بينما في رومانيا الجميع يعرف القليل من اللغة الفرنسية، وآخرون يجيدون الفرنسية بلغة عالية. في بوخارست كانت الفرنسية اللغة الثانية بالنسبة للوسط الأدبي. عندما ذهبت إلى هناك وجدت الناس يتكلّمون الفرنسية بشكل جيد، وأنا أعرف القليل عنها، أقرأ الفرنسية بشكل جيد، ولكنِّي ضعيف في الكلام. سبب لي هذا الموقف إحراجا كبيرا، لا سيما وجودي مع الطبقة البرجوازية، التي تتكلّم الفرنسية. بعد ذلك أتيحت لي فرصة السفر إلى فرنسا عن طريق بعثات دراسية إلى هناك. في فرنسا تعلّمت اللغة كالمجنون، محاطا بالقواميس والكتب، حتى انتقم من البرجوازية في رومانيا الذين كانوا يعرفون هذه اللغة، كتبت كتابي الأول أربع مرات بالفرنسية.
• خلال وجودك في فرنسا، هل تعرفت على كُتابِها انذاك؟
لم أتعرف على أحد هناك، كنت خجولا جدا، استطعت التعرَّف على أشخاص لم تكن لهم علاقة بالأدب، أغلبهم من اللاجئين .
• كيف كنت تكتب؟ هل تكون لديك فكرة قبل البدء؟
لا، أغلب كتاباتي كانت تلقائية وعشوائية، الفكرة تأتي حينما أبدأ.
• يقال إنك شكّاكٌ باستمرار؟
مبدأ الشك عندي لعب دورا كبيرا في حياتي، أنا لست شكاكا بالمزاج، لانه أنا عصبي بعض الشيء، أريد أن أذكر امراً، لقد دعيت مرّة إلى ميونخ. قالوا لي: «هذا المؤتمر للعلماء والفلاسفة ولكنَّنا نحتاج إلى شكّاك ، ولم نجد أحدا، هل ترغب بالمشاركة». رفضت، وقلت لهم: «أنا لست شكاكا في خدمتكم»، لا يمكن أن أكتب في بطاقتي» العمل: شكاك».
• ما هو رأيك في الجوائز الأدبية؟
في باريس كنت مشمئزا من الجوائز الأدبية، لان جميع الكتاب فعلوا ما بوسعهم لنيل الجوائز، مسبقا لقد قبلت جائزة متواضعة، كان عائدها زهيداً، «جائزة ريفارول»؛ لم يكن بوسعي رفضها، لانه كان كتابي الأول، وقتها لم أكن معروفا في الأوساط الأدبية.
• لماذا كنت ترفض كذلك اللقاءات التلفزيونية؟ وكنت متخفياً دوماً؟
إذا تطلَّعت المشهد الأدبي في باريس؛ عليك أن تتخذ قراراً: أما أن تفعل كل شيء او لا شيء.
• حدثنا عن حياتك في باريس، وعن المعيشة؟
بالنسبة لي، لقد توقفت عن مخالطة الوسط الأدبي في باريس، وعشت حياة عبثية نوعا ما، حيث كانت لي حياة اجتماعية حقيقية، كنت أحبَّ أن أشرب الويسكي وما شابه، وكنت فقيرا جدا، عشت في باريس على السيدات الغنيات، كنت أتلقى دعوات العشاء من السيدات، قالت: لم لا، ذلك يساعدني على شرب الخمر، وكذلك آكل. كانوا يدعوني إلى العشاء، كنت أذهب ثلاث مرات في الأسبوع إلى أماكن مختلفة.
• كيف يعرف سيوران الدين؟
«الفرق بين منظر الدين والمؤمن كبير، كما بين الطبيب النفساني والمجنون».