شاهدت أمواتاً هاربين من المستقبل

عادل محمود

كالعادة، يسأل الخليفة (خليفة ما) من العصور الذهبية، يسأل حاجبه:
مَن في الباب من الحكماء؟
في تلك الليلة لم يكن بحاجة للشعراء، أو المغنين، أو المهرجين، كان في حاجة إلى الحكماء!
أدخل الحاجب عدداً من مختلف أشكال الرثاثة اللغوية، والفلسفات الدنيوية…جلسوا في مهابة الصمت الثقيل لخليفة مهموم، ينكش بصولجانه خيوط النسيج الفارسي تحت كرسيه الذهبي.
قال ” لدي مشكلة، وعليكم أن تفسروها، أو تحلّوها.فتوجس الجميع،وصاروا آذانا،
قال:» صرت أعمل الخير فلا أسَرّ به، وأرتكب الشرّ فلا أُساءُ به. لا أطرب، ولا أعجب، ولا أغضب».”
قال حكيم أول: “عليك بالصيد يا مولاي”. لكن الخليفة كان عائداً ذلك اليوم من رحلة صيد.
قال حكيم ثانٍ: “عليك بالنساء يا مولاي” لكن الخليفة عنده ثلاثة آلاف جارية من مختلف الأجناس والممالك.
قال حكيم ثالث: “الملوك، يامولاي، يضجرون . إنه امتحان سماوي للمقدرة على الصبر. والممالك المستقرة تسبب الكسل”.
في آخر القاعة كان رجل لايبدو عليه انه حكيم في أي شيء، رثٌّ كثيراً، أفاق من غفوة اليأس، وقال للخليفة : «مولاي…والله لقد تكاملَ فيك موت القلب»
…………………….
أحياناً يحدّق أحدنا في وجوه الناس، يتأمل الانحسار الرمادي لابتساماتهم، يلاحظ عقدة الحاجبين، ضمور الشفتين، تثاقل الخطوات، ويرى ازدحاماً في الأسواق، تناثراً في المقاهي، سيراً على غير هدى، توقفاً حائراً، تأرجحاً في النظرات. ونرى اليوم الليل خال منهم. لا ليل في عيون الناس، لا ضوء في الشوارع. لا كأس عصير في الخيال… كلهم ناموا
أحياناً نشاهد العرس بعيون الطلاق، ونسمع الموسيقى بأقدام الدببة.والمواكب لا تتغير، تظن المواكب أنها تطلق زمامير السعادة من أرتال نزقة في الطرقات …ثم تطلق، عندما لا تنحني الأشجار، رشقات رصاصها على السماء.
الأغنيات بذاءة التضخم في أثداء النعمة المشبوهة. لم يعد هناك من يشتم. فالشتيمة صارت مسلحة ويدها على الزناد.والوجوه المكفهرة نقص فادح في عضلات الحياة. .
أحياناً… ينجح علم الاقتصاد في اكتشاف التوزع الجغرافي على خرائط النقود ! من هم السارقون ومن هم المغلوبون إلى الأبد.
أحياناً… ينجح علم الاجتماع في اكتشاف أمراض وحدة الإنسان مع المحيط أو عزلته عن الفاعلية. ويبشر بازدهار الشعوب أو انقراض التكيف. البقاء على قيد الحروب. وعلى ضفاف المجاعات. وفي التناسل الشريف في غير أوانه.
أحياناً… علم النفس يدرك سرّ العافية أو لغز الأمراض…فتكثر أو تقلّ المهدئات أو المخدرات…وفي النهاية يكثر المجانين الصامتون… فالهذيان جنون ممنوع . نحتاج الى الشاعر ابن زيدون ، وهو يقول:
غيظ العدامن تساقينا الهوى فدعوا بأن نغّص فقال الدهر آمين
ونحتاج الى ابن خلدون العالم…ليقول لنا :»عندما تنهار الدول…يسود الرعب وتظهر العجائب ويتحول الصديق الى عدو.تشح الاحلام ويموت الامل».
نحتاج إلى كل علوم الأرض لكي نفسّر الغمّ الذي جعل الخليفة، في تلك الليلة، يتكامل فيه موت القلب،
ونعرف إن كان الجميع ذاهبين في نفس الطريق.؟ !