ضياف البرّاق
كم شعرتُ الليلة بالحزن عندما وصلتني هذه الرسالة اليائسة من صديقي الحميم، يونس عبد السلام:
«لا أحب الفوز، وكلما أوشكتُ على الفوز في أي شأن من شؤون حياتي -كالحب مثلًا- أفضّل الخسارة واقترفها عمدًا. أحب الهزائم، أنا رجلها الأول في هذا العالم.. أحبها لأندم بكل سخاء..». كم شعرتُ بالوجع!
يونس، صديقي النبيل، الذي يشبهني دومًا، هو واحدٌ من أصدقائي المبدعين الذين لم تسمح لهم الحرب بأن يفرحوا أو يناموا قليلًا. ها نحن لم نعد نفرح، ولا ننام.
مأساة قاتلة أن يتخرّج (يونس) من كلية الإعلام – جامعة صنعاء – وفجأة يجد نفسه ضائعًا في أزقّة البطالة، عالقًا بين الحرب والحرب! لكنه، رغم سوء الحظ، ما زال يكافح بقلبه الكبير، ما زال يحلم ويقف بصوته وقلمه مع الناس البسطاء والمظلومين والعشّاق.
كم أعتز بإنسان شريف مثل يونس! حتمًا سننتصر، أيها الإنسان الجميل. غدًا، أو بعد غدٍ، سوف ننتصر، سوف نرتشف كأس الفرح معًا.
ما زلتُ أتساءل، ما زال قلبي يبحر في عالم مليء بالفوضى والأسئلة. كعادتي، أموت عندما لا أتساءل، وأموت عندما لا أواجه. لكني، أموت أكثر عندما أناقش الأغبياء أو أعيش معهم. ذات مرة سألني أحد أصدقائي هذا السؤال المُهِم: «متى تنتصِر؟»، فأجبته حينها: أنتصِر عندما أقترف خطأً جميلًا، أو عندما أعترف بخطئي أيًا كان. أنتصِر عندما أقاوم عدوي دون كراهية أو نرجسيّة أو استغلال، أو عندما أتسامح معه دون المساس بقيمة العدالة. أنتصِرُ، أيضًا، عندما أحب جميع الناس وأساعدهم بما أقدر عليه. وها أنا أضيف الآن: أنتصِر عندما أفقد كل شيء.
حدث، قبل ذلك، أن سألني صديقٌ آخر، في مكان آخر: «لماذا تقرأ؟»، فأجبته باختصار: أقرأ لكي أكون مُحِبًّا. والمثقف الحقيقي، في رأيي، هو ذلك «المُحب». الثقافة، اليومَ، هي «المحبة». والمُحِب، دائمًا، هو إنسانٌ مبدعٌ حُرّ.. خلّاقٌ نقيّ. كل شيء ينتهي، ما عدَا الحب باقٍ.
– ثمة مكان الآن، ربما على هذه الأرض الحبيبة، تجِد الجميع فيه يفكِّر بنفس الأسلوب. إنني لا أستطيع العيش في مثل هذا المكان. ها أنا، كما تروْن، أعاني..أعاني على الدوام. الجميع، هنا، نفكّر بنفس الأسلوب، مع اختلاف طفيف – وهذا «الطفيف» لا يؤدي البتّة إلى طريق أفضل.
– صحيح، أنا يائسٌ دومًا، وأعلى درجات يأسي: تلك التي أواجه فيها كل شيء بأدوات نظيفة. كمْ هو جميل ذلك اليأس النقي! اليأس الذي لا يستسلم لمشكلات الحياة.
– حتى يومنا هذا، لم أرَ، في العالم كله، أي حضور حقيقي للعدالة. كيف استطاع الكائن البشري الجديد أن يصعدَ إلى سطح القمر، ويضيء العالم كله بالكهرباء والإنترنيت والكتب، ولم يستطع أن يصعدَ إلى مستوى العدالة؟.. إنها الإنانية!
– في كل مجزرة تُرتكب بحق الإنسانية أو قطرة دم تسيل من جسد إنسان، أي إنسان، سواء هنا أو هناك.. أتذكّر معها مقولة إنسانية نبيلة بلا حدود، للروائي اليمني – الكوني، الذي يقيم في فرنسا، البروفيسور حبيب عبد الرب سروري. ها هو يقول لنا: «لا يحق للإنسان الحديث ادّعاء التحضُّر طالما سالت قطرة دم واحدة، ﻷي إنسان كان، في أي بلد كان، بأي سلاح كان، وﻷي سبب كان». إن هذه المقولة العميقة، والتي أقدّسها جدًا، وردت في كتاب حبيب، كتابه المثير (لا إمام سوى العقل).
إذن، هل نحن متحضِّرون؟!