علاقة الصبي آرثر مع والده فريديريك رامبو

اعداد وترجمة محمد القاسمي

تعتبر هذه القصيدة أولى ملامح العلاقة بين الشاعر ووالده الذي من خلاله تعرف على الأمير عبد القادر .. ولأن والده كان مقيما في الجزائر فقد ظلّت العلاقة بينهما متباعدة ومتقطعة ولكن آثارها موجودة في شعره وكما نعلم أنه كان في منزل العائلة نسخة من القرآن .. ظل هذا الجانب من حياة الشاعر غير معروف إلى يومنا.

قاوم الأمير عبد القادر الجيوش الفرنسية التي غزت الجزائر عام 1830م بشراسة، وبعد 17 عاما من المعارك وضع السلاح، ليسجن في فرنسا قبل أن ينفى إلى دمشق حيث توفي سنة 1883م. المقارنة بين يوغرطة والأمير لم يبتكرها رامبو، ولم تكن من بنات أفكاره بل هي صورة متكررة كانت موجودة في كتب الناشئة في ذلكم الزمان. حتى أن الجنرال بيجو Bugeaud شبه الأمير بالمسيح “إنه يشبه إلى حد ما الصورة التي غالبا ما تقدم عن المسيح عيسى”. إن هذا الاستحضار يتضمن مع ذلك معنى آخر، لاسيما إذا علمنا بأن والد الشاعر وهو النقيب فريديريك رامبو Frédéric Rimbaud قد شارك في الحرب على الأمير عبد القادر، تحت إمرة الجنرال بيجو، وهو صانع الكولونيالية المسعور، وبأنه أي فريديريك قد شارك في معركة “اسلي” التي شنها الجيش الفرنسي سنة 1944على ملك المغرب الذي كان يدعم الأمير عبد القادر.
إلا أن دور الأب قد تم تجاهله وإخفاؤه تماما من قبل معظم المتخصصين في دراسة رامبو. فـ “قاموس رامبو” « Dictionnaire Rimbaud »، في سبيل المثال لم يخصص له ولو مدخلا واحدا، وكما أشار إلى ذلك المحلل النفسي ألان ديميجولا Alain de Mijola ، “ ليس بوسع من توغل في السير الذاتية التي كتبت عن حياة رامبو سوى أن يندهش ويفاجأ بالصمت الذي يكتنف شخصية الأب. وفي أحسن الأحوال يتم التخلص من قصته في عدد محدود من السطور لتختفي مجددا وبشكل نهائي من الشروح والتعليقات” وهناك تعليق في طبعة عام 1963 للأعمال الكاملة لرامبو، يمكن اعتباره مثالا ساطعا عن ذلك .: “هذا الوالد الذي لا أثر له في مراسلات رامبو كما في حياته، قد ترك الزوجة والأبناء دون عودة بعد إحالته على التقاعد”، “لا وجود له في المراسلات” . فليكن، وماذا بعد؟ ولكن في الحياة ؟ كيف لهذا الصمت المميز للخطاب البيوغرافي ألا يسترعي انتباهنا ؟ وهو خطاب يؤكد بهدوء كبير عدم وجود الأب. من بين جميع الريمبالديين (المتخصصين في حياة رامبو وأعماله. واحد فقط عكف بجدية على دراسة مسار الوالد : إنه النقيب غودشو Godchot ، وهو شخصية ذات نزعات وأهواء غريبة، ترجم إلى الفرنسية كتاب « Le cimetière marin » لفاليري Valéry لأنه كان يرى بأن هذا العمل كان مبهما وغير مفهوم.
فبعد قيادته لكتيبة من المحاربين في الجزائر، قرر التفرغ للأدب فنشر عام 1936، السيرة الذاتية للشاعر« Rimbaud aventurier » ، اجرى من خلال هذا الكتاب تحقيقا جادا لاستعادة المشوار العسكري للنقيب رامبو.
أب ورئيس مكتب شؤون العرب
في الجزائر
ولد فريديرك رامبو والد الشاعر في دول Dole سنة 1814. انخرط في الجيش الفرنسي كجندي بسيط عام 1832، وكان إذ ذاك في الثامنة عشرة، تم إرساله إلى الجزائر عام 1842، في ذات الفترة التي كان الجيش الفرنسـي يقوم فيها باحراق البلد واغراقه في الدماء، تحت قيادة بيجو، بهدف كسر مقاومة الشعب الجزائري بقيادة الأمير عبد القادر.
بعد ثلاث سنوات قضاها في كتيبة مشاة في الغرب الجزائري عند الحدود الجزائرية المغربية، تم تعيينه في مديرية شؤون العرب في مدينة الجزائر حيث سيقضي سنتين تمكن خلالهما بلا شك من تعلم اللغة العربية .
عُين فريديريك رامبو سنة 1847، رئيسا لمكتب شؤون العرب بـ “سبدو” وهي قرية على الحدود مع المغرب وفي منطقة كانت تشهد قتالا محتدما بين القوات الفرنسية والمقاومين.
كانت سبدو حينها حامية يسيطر عليها العسكر، المناخ فيها قاس لاسيما شتاء.
كان يتمثل عمل الملازم رامبو، في الحفاظ على النظام وإقامة العدالة وتحضير الأعمال العسكرية والاشراف على الأشغال العامة وجمع الضرائب. كان عليه أن يرسل تقريرا في كل أسبوعين إلى رؤسائه بشأن أنشطته. وفي أحد هذه التقارير نجده لا يتردد في فضح البؤس الذي أغرقت الحرب الجزائريين فيه :” إنه لأمر مثير للشفقة أن ترى الحالة التي تردى إليها هؤلاء التعساء (العرب)، فالعديد منهم قضوا بسبب النوبات الأولى من الحمى، قاوم آخرون بأعداد أهم ولكن هاهم يجرون الأقدام في بؤس ضمن الكآبة المؤلمة لنقاهة لا تنتهي أبدا”.
التقى فريديريك رامبو خلال هذه السنوات في “سبدو” شخصية غريبة الأطوار، إنه أوسكار ماك كارتي Oscar Mac Carthy، جغرافي ومستكشف من أصول إرلندية، استقر في الجزائر سنة 1849، وكان يراوده حلم مجنون وهو أن يجوب البلد “وأن يعيش مع العرب ويتعلم اللغة العربية”. فقام بإخطار الحاكم العام الفرنسي الماريشال رانودن Randon الذي انفجر ضاحكا واعتبر “ هذا الشاب الأشقر الذي عليه مسحة من الأنوثة مجنونا”
شرع أوسكار ماك كارتي في تنفيذ مشروعه فعلى مدى سنة كاملة جاب الجزائر من البحر إلى الصحراء، واستكشف منطقة القبائل مرتديا برنوسا ومؤكدا :”بأن السلوك الأكثر أمنا هو ألا تستهوي ولا تستفز أحدا، فألف فارس لن يتمكنوا من سرقة متاع رجل عار”. وسيكتب فيما بعد بأن” مأساة الاستعمار نابعة من نقص معرفته بالجزائر”
وبعد ذلك وبعد أن تولى منصب أمين متحف الجزائر ومكتبتها، التقى أوسكار ماك كارتي ألفريد باردي،َALFRED BARDEY ذلك الذي وظف رامبو في عدن وهو الذي سيسلمه مخطوطا ثمينا وهو”فتوح الحبشة” لكاتبه أحمد غيران والذي اعتمد عليه رامبو لكتابة تقريره عن الأوجادينية (الأوكادينية).
سيكتب فريديرك رامبو أول مقال له مع أوسكار ماك كارتي، وعنوانه “سلطان الجراد” «le Sultan des sauterelles» الذي صدر في مجلة l’Orient. في هذا المقال الموثق والمكتوب بأسلوب متميز دفع بـشارل هنري لـ بودنهام Charles Henry L. Bodenham، مؤلف كتاب « Rimbaud et son père » (رامبو ووالده) للقول بانه يذكر بوصف الطاعون في كتاب “الطاعون” لكامو Camus. في هذا المقال يقدم فريديرك رامبو وصفا مفصلا لغزو الجراد، ويصف شكله الخارجي وما يتسبب فيه من خراب بيد أنه يركز وبشكل خاص على المخيال العربي حيال هذه الآفة مستندا إلى مخطوط ألفه رجل دين عربي، يذكر اسمه، وينتهي المخطوط بهاتين الآيتين “خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ ۖ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) “ سورة القمر.
إن مقال فريديريك رامبو هذا لا يشبه عمل رجل عسكري بل عمل متخصص في علم الإنسان ( الأنثروبولوجيا) يصف المخاوف الناس والحيل القديمة التي كان يلجأون إليها ليدفعوا عن أنفسهم هذه الآفة التي كانت تدمر محاصيلهم.
وفي رسالة موجهة إلى شارل هوين، أحد أوائل كتاب سيرة الشاعر، قالت إيزابيل رامبو عن والدها بأنه: “عالم باللغة العربية متميز” مضيفة “بأن له في البيت كتابا في قواعد اللغة العربية وهو مراجع ومصحح تماما، علاوة على كم من الوثائق المكتوبة باللغتين الفرنسية والعربية تتعلق بالحرب في الجزائر وطرف وحكايات الخ” كما كان بحوزته ترجمة للقرآن (النص العربي مقابل النص الفرنسي ) وهي مفقودة الآن وكل هذا مخطوط باليد بعناية فائقة”.
غادر النقيب المقاتل والمتحمس والمغامر رامبو الجزائر في يونيو من عام 1850 للمشاركة في حرب القرم. وسيظهر بشكل متقطع في شارل فيل، لمدد كافية وفق ما تتيحه الإجازات من وقت لانجاب خمسة أطفال من زوجته، قبل أن ينعزل في ديجون حيث مات عام 1878.
من وجهة نظر الباحث غودشو، فإن القطيعة بين النقيب وزوجته فيتالي كويف Vitalie Cuif كانت أمرا محتوما :”حينما أمكنه ونادرا ما كان يحصل ذلك فقد كان يعود إلى “شارلفيل” ليلاحظ زوجته وأساليبها في التربية والتعليم. فالنقيب رامبو الذي كان فائق الذكاء والنعومة لأنه تعلمها من العرب، انزعج بقوة من ذلك المسكن الحقير والصاخب والمتعفن من فرط تعصبه”.

في مدح
الأمير عبد القادر

في عام 1869 تم تنظيم مسابقة عامة للشعر في مدينة شارل فيل – ميزيير Charleville Mézières، تنافست فيها أكاديميات عديدة من شمال فرنسا. طلب من الطلبة المتقدمين الكتابة حول موضوع «عبد القادر». وكان من بين المتنافسين آرثر رامبو Arthur Rimbaud الذي كان تلميذا في المرحلة الاعدادية، وفي الخامسة عشر من العمر. أمسك رامبو الريشة وكتب 75 بيتا من الشعر وسلم ورقته فحصل على الجائزة الأولى

Dans les monts d’Algérie, sa race renaîtra :
Le vent a dit le nom d’un nouveau Jugurtha…
‘’De cette Rome, enfant, j’avais cru l’âme pure.
Quand je pus discerner un peu mieux sa figure,
A son flanc souverain, je vis la plaie profonde !…
La soif sacrée de l’or coulait, venin immonde,
Répandu dans son sang, dans son corps tout couvert
D’armes ! Et une putain régnait sur l’Univers !
A cette reine, moi, j’ai déclaré la guerre,
J’ai défié les Romains sous qui tremblait la terre !….’’

«مقطع»
مدح آرثر رامبو Arthur Rimbaud الأمير عبد القادر ووصفه بـ «يوغرطة الجديد»:

في جبال الجزائر سيولد قومه من جديد
وتنطق الريح باسم يوغرطة الجديد
بلا أسف، تركت بلاطي ومملكتي
لفحَ وجهَ روما نفسُ المتمرد
إلا أن فرنسا اليوم في الجزائر تسود
منتشلة الوطنَ من مصيره الأسود
خذ بثأرنا، يا بني ! وارفع صوتَك عاليا يا حشدَ العبيد
ولتعد تحيا في قلوبكم المتقدة، قلوب الصناديد
اطردوا الغزاة بسيف الجدود
باسمي وبدمه ارووا أرضنا
فلتبرز من الجزائر مئات الأسود
تقطع بأنيابها المنتقمة كتائب الجنود

ولادة الشاعر

طفـــــــــل
بنعال الريح

ولد آرثر رامبو في 20 أكتوبر 1854، بشارلفيل في أسرة تقليدية ومحافظة، كانت والدته فيتالي كويف، امرأة مزارعة كاثوليكية ورعة وصارمة، اطلق عليها ابنها كنى فظيعة “فم الليل” الـ mother أي الأم على الطريقة الانجليزية، أو la daromphe أي”الطاغية” .
كان رامبو خلال السنوات التي قضاها في المدرسة تلميذا مثاليا وقد فاز بالعديد من الجوائز في الأدب. وفي أغسطس 1870 اندلعت الحرب بين فرنسا وبروسيا وقام آرثر حينها بمحاولات الفرار الأولى من البيت إلى باريس. فقد انجذب إلى ذلك الفكر الثوري الذي طبع العاصمة الفرنسية. وفي باريس التقى بول فيرلان Paul Verlaine ، الذي تخلى من أجله عن زوجته وابنه. بدأ الشاعران معا حياة تيه وتسكع بوهيمية، بين المخدرات والخمر. فكتب رامبو في تلكم الفترة “الاشراقات” و”موسم في الجحيم” «Une saison enfer ».
قرر رامبو وهو في الرابعة والعشرين التوقف عن كتابة الشعر الذي سيصفه فيما بعد بـ”السخيف والمثير للسخرية والمقزز”. وشرع في السفر والتنقل من بلد إلى آخر، أولا في أوروبا حيث كان يتقوت بفضل قيامه بأعمال صغيرة، وقد أقام وهو الذي كان مولعا بتعلم اللغات في كل من إيطاليا وألمانيا وإنجلترا والنمسا. انضم إلى سلاح المرتزقة في الجيش الاستعماري الهولندي، بهدف الخدمة في الهند إلا أنه فر من الخدمة عند وصوله إلى جاكرتا. قام بعدها برحلة حول العالم ليرسو أخيرا في ايرلندا ثم يعود إلى فرنسا ومن هناك راسل قنصل الولايات المتحدة الأمريكية طالبا تجنيده في البحرية الأمريكية ويعلن بأنه جند في الكتيبة 47، تلكم التي خدم فيها أبوه!. ولما لم يصله أي رد على طلبه، أبحر “الرجل بنعال الريح” قاصدا السويد حيث عمل في منشرة، ثم زار الدنمارك فالنرويج قبل أن يصل إلى هامبورغ التي عمل فيها مترجما في سيرك. عاد بعدها إلى أسرته وقضى هناك موسم الحصاد ثم رحل مجددا في يوم عيد ميلاده الرابع والعشرين, عبر منطقة ليفوج les Vosges تحت الثلوج، ليصل إلى “جنوه” قبل أن يعمل في محجرة بقبرص.
بما أن هذه الأسفار جميعها لم ترو عطشه، فقد أبحر مرة أخرى متوجها نحو مصر وكان ذلك عام 1880. توقف لمدة قصيرة في الاسكندرية ثم عبر قناة السويس ليصل إلى جدة قبل التوجه إلى جزيرة “سواكيم” التي كانت تنطلق منها السفن المتجهة إلى السودان. وفي ظل بحثه المتواصل عن عمل، فقد أقام بضعة أيام في “مسوه” في الحبشة قبل أن يقصد ميناء “الحديدة” باليمن. يبدو أن ما كان لديه من مال قد نفذ هناك. تعرف هناك إلى رجل فرنسي يدعى تريبوشيه Trébuchet. وحينما لاحظ هذا الأخير بأن لرامبو المعرفة الكافية باللغة العربية، نصحه بالتوجه إلى عدن حيث كانت تجارة البن تعرف ازدهارا كبيرا.
يمكن لمسألة تحكم الشاعر في اللغة العربية أن تثير الدهشة والاستغراب، والحال أن الأسطورة الأسرية تتحدث عن رامبو متقنا تماما لعشر لغات ومن المؤكد أنه كان لديه استعدادات قبلية وملكة في تعلم اللغات. يقول لويس بياركين Louis Pierquin وهو صديق طفولة الشاعر بأنه خلال شتاء 1875 عكف رامبو في شارلفيل على دراسة اللغات الأجنبية بشكل جنوني:
” الروسية والعربية والهندوستانية والأمهرية”, ولئلا يزعجه أحد فقد أغلق على نفسه لمرات عديدة في خزانة أو في صندوق قديم من الأزمان الغابرة، وكان يقضي هناك أحيانا 24 ساعة بلا أكل ولا شرب، مستغرقا في عمله”.
يمكن تفسير انبهاره باللغة العربية في تلكم الفترة، برواج الاستشراق بسبب حملة نابليون على مصر وكذا غزو الجزائر.لقد روى أحد زملائه ويدعى بول بورد Paul Bourde في رسالة إلى جول ميشليه Jules Michelet بأنه “طرد من مدرسة شارلفيل في سن الخامسة عشرة بسبب محاولته تعلم اللغة العربية خفية”
من المؤكد بأن رامبو كان متعدد اللغات، وكان له من وراء ذلك هدف عملي يتم نسيانه أحيانا في أيامنا هذه، فقد كتب في مايو 1883 : “ما جدوى الرواح والغدو والمغامرات عند أقوام غُرب وما جدوى هذه اللغات التي نملأ بها ذاكرتنا ….. إن لم أكن قادرا يوما…. على الخلود إلى الراحة في مكان أحبه….؟”

ولعٌ بالإسلام

«لن اعيش مطمئناً ولن أموت مطمئناً»

في الـ 15 من فبراير 1881، كتب رامبو رسالة لأسرته:
«بالمناسبة، كيف لم تعثروا على القاموس العربي؟ يجب أن يكون في المنزل ومع ذلك قولوا لفريديريك (أخوه) بأن يفتش في الأوراق العربية عن دفتـر عنوانه نكت ولعبة كلمات، الخ، بالعربية ومن المفترض أن يجد هناك مجموعة من الحوارات والأغاني وأمور أخرى لا أعرفها، مفيدة لمن يتعلّم اللغة. إذا كان هناك مؤلف بالعربية أرسلوه».
حتـى وهو في أفريقيا، ظلّ يذكر الوثائق التي تركها الوالد، وثائق كانت تبدو له مفيدة لتعلّم اللغة، ولكن أيضا لتعايش أفضل مع الأفارقة الذين كان بينهم. وقد قال عنه مستخدمه بارديه بأنّه: «فتى طويل القامة وودود» قليل الكلام يصاحب «شروحه المختصرة بإيماءات صغيرة وحادة». ويعلمنا بأنّ رامبو كان خلال رحلة إلى «بوباسا» يضع منشفة على رأسه كعمامة وكان يلفّ جسده في «لحاف أحمر ليبدو وكأنّه مسلم».
وفي رسالة قصيرة إلى أسرته كتبت في هرر في الـ 7 من أكتوبر 1883، قدّم رامبو عرضا الطلب التالي الى دار هاشيت Hachette للنشر :

«سأكون ممتنا لكم لو أرسلتم لي في أقرب وقت ممكن، إلى العنوان المذكور أدناه أحسن ترجمة فرنسيّة للقرآن على أن أدفع ثمنها نقدا عند التسليم (يكون النصّ بالعربية مقابلا للترجمة، إن وجدت نسخ كهذه)، وحتـى بدون النصّ»

بعدها بعامين ونصف، أي في 15 فبراير 1885، كتب إلى ذويه ولكن هذه المرّة من عدن : «بالنسبة لنسخ القرآن فقد تسلّمتها منذ مدة، منذ سنة في هرر ذاتها». تثبت هذه الرسالة بأنّ رامبو قد حصل فعلا على نسخ من القرآن. وبما أن أيزابيل رامبو قد أخبرت كل من جان بورغينيون وشارل هوين، وهما أول من ترجم لرامبو، بأن والدتها قد احتفظت في بيتها ولمدة طويلة بترجمة للقرآن تتضمن (النص العربي) وبأنّ هذه النسخة ضاعت».

يمكن أن نتساءل ان لم تكن هذه هي النسخة تحديدا التي تسلمها رامبو حين تواجده في هرر، وإذا افترضنا بأن الحال كذلك، فإنّ الأمر يتعلّق حتما بالنسخة التي جلبها فريديريك رامبو معه من الجزائر.
سيلتقي رامبو خلال إقامته في الحبشة بمستكشف وتاجر إيطالي وهو أوغو فيراندي Ugo Ferrandi، وكان ذلك عام 1886 بتاجورة. يقول المستكشف الإيطالي بأنّه طرح على رامبو بعض الأسئلة بشأن الجغرافيا وعن الإسلام وقد رسم لنا لوحة عن الشاعر : «طويل القامة، بشعر بدأ الشيب يغزوه في الصدغين، يلبس على الطريقة الأوروبية ولكن ببساطة، أي أن البنطلون كان واسعا والسترة مريحة، لونها رمادي- كاكي، كان يغطي رأسه بطاقية (قلنسوة) رمادية أيضا وكان يتحدّى لهيب الشمس مثله مثل السكان الأصليين لـ «دنكاليا»، « وحسب فيراندي فإنّ رامبو كان يتحكّم تماما في اللغة العربية واسع الاطلاع وكان يعقد ندوات حول القرآن لفائدة أعيان المنطقة وكان يعتمد أسلوب حياة سكانها»، إذ كان لايتبول الا واقفا.
في أكتوبر 1913، وفي جوابه على أسئلة صحفي، شدّد فيراندي على خصال رامبو: «لم يكن شاعرا فحسب بل مستعرباً ومتمكناً من عدة لغات» ويضيف «أذكر أنّه كان يفسّر القرآن ويشرحه للسكان المحليين». هذا الجزء المرتبط بمعارف رامبو العربية والإسلامية، أكّده كلّ من أرماند سافوري Armand Savouré وألفريد بارديه (رسالة إلى باتيرن بيريشون Paterne Berrichon،10 أغسطس 1897).
يروي أرماند سافوري شريك رامبو في عدن والذي رافق الشاعر في رحلته الاستكشافية إلى الحبشة في 1886-1887، بأنّ رامبو «كان يدعو للقرآن لولوج الأقاليم المجهولة في أفريقيا….. وكان يتحدّث إلى الجمّالين عند التخييم وكان يعرّفهم بدينهم وكان يقرأ القرآن باستمرار، وكان يعرف كيف يفسّره لصالحه».. كان تفسير رامبو للقرآن يثير أحيانا غضب المتشدّدين وهكذا فقد ضرب بالعصا ضربا مبرّحا وفق ما أتى به الآن بورير Alain Borer، في كتابه « Rimbaud en Abyssinie ».

-رامبو في الحبشة-
قد توحي جميع هذه المسارات والشهادات بأن آرثر رامبو قد اعتنق الإسلام، وخاصة وأنّه عرّب اسمه خلال إقامته بين هرر واليمن فجعله «عبد ربه»، وفق ما نقش على ختم الشاعر، المحفوظ في متحف شارلفيل. هذا غير صحيح، يقول الان بورير Alain Borer كاتب سيرة الشاعر الذاتية: «نقطة الالتقاء الوحيدة بين رامبو والإسلام هي تقبل ما يحدث من أمور «أي القضاء والقدر». يستند بورير في ذلك إلى قول الشاعر «لن أعيش مطمئنا ولن أموت مطمئنا»، وفي الأخير وكما يقول المسلمون هذا مكتوب، هذه هي الحياة، لا شيء مضحك فيها» رسالة من عدن 1884. وكأنّ فكرة المكتوب تلخّص الإسلام !
ومن جانبه فإنّ بيير بوتيفيس Pierre Petitilfs ، المتخصص الآخر في حياة رامبو وأعماله، وهو أيضا من مواليد شارلفيل، يؤكد العكس إذ يرى بأنّ :اهتمام الشاعر بالإسلام يعود إلى الفترة التي كان فيها بهرر إذ أصبح «رامبو صاحب عادات وفكر مسلم» ، بينما رأى فيه كلوديل Claudel، الكاثوليكي المتحمّس والنبي والزاهد الخام».
شاعر آخر وهو مالكوم دي شزال Malcom de Chazal، كان أكثر صراحة وحزما، فبالنسبة له الشاعر أنهى حياته مسلما : «القضية الكبرى تخصّ دين رامبو الذي كان ملحدا كليا قبل مغادرته فرنسا إلى هرر، ولقد ظننا وكما قال كلوديل بأنّ أرثر رامبو بعدما عاد إلى بيت أخته إيزابيل في مرسيليا، توفي على دين آبائه. هذا غير صحيح تماما، نحن نعلم اليوم بأنّ رامبو قد اعتنق الإسلام في هرر».
الرغبة في حسم هذه المسألة يعني إضافة أسطورة إلى الأسطورة وفي هذا السياق من المستحسن الاقتداء بالعرب الذين حينما تعترضهم مسألة شائكة يقولون «الله أعلم».