عندما أدارتْ الجبال ظهرهَا إحتفاءً بالشعر اليمني الحديث 1-2

صدام الزيدي:

تبدو محاولة لملمة نصوص حداثوية لشعراء يمنيين شباب، أقرب إلى أن تكون مغامرةً نازفةً في واحدةٍ من أقسى يوميات بلادٍ لم تعد سعيدةً ولا حزينةً، إنما شاردة كقصيدة نثر، مصلوبة كمئذنةِ جنون.

فبينما تمضي مُجنزراتٍ للبارود ناحية عامٍ خامس من الاحتقان المؤسف والانصهار المريب، تفرُّ قصيدة محمومة إلى الله، وبين سطورها: «أنين الجبال التي انكسرت فأضاءت»، على مرأى من «أنباء القهر» اليومية، التي تجيء فيوض قصيدةٍ تمنح الهائمين على وجوههم أملًا بالنجاة!

ما الذي بوسعك أن تكتبه وأنت تضع اللمسة الأخيرة لنصوصٍ شعريةٍ هي أحدثُ ما أنجزته أنامل المندلعين في واجهاتٍ للتشظّي؟ أو بمناورةٍ أخرى: من بين كل هذا الركام الذي خلّفته الحرب الدائرة في اليمن، كيف استطاعت أنامل «سبئية» أن تنجز كل هذا الملكوت من الكلمات؟

إنها حُمّى الكتابة (الشعرية) الجديدة. امتشاقةُ قبسٍ في العَتمةِ، وتنجرف الروح إلى المنفى الفاتنِ بالكيمياءِ المأهولة بالدهشة والحزن معًا! كما أنها شلالات من هذا العزف اليمني الخالص، الذي كلما فقدتِ النارُ صوابها، اندفقت هذيانات الليل الأصفر، وتجلّت نايات الشعراء.

تحاول هذه المختارات تقديم لمحةٍ عن منجز الكتابة الشعرية الأحدث لشعراء الجيل الألفيني في اليمن (أي شعراء ما بعد عام 2000، فصاعدًا/ ما قبل أزمنة الآن، شغفًا، وفقًا لارتطامةٍ لمدونة الشعر…)؛ إذ تشرق قصيدة فيموت كهنةً من فلول المكان، تُمطِر قريحة من طلوع الزمان المتشرد فينسفح الأمس بمحمولاته العبثية والنزفية، تنشطر المتاهة فتصير أغنيةً أو ندبةً عالقةً في حنجرةٍ للمستقبل…..

من الضروري الإشارة إلى أن نصوص هذا الملف (للشعراء الشباب من اليمن)، تعرض ملمحًا: محتشدًا بالدهشة والمغايرة، منبثقًا من بين رماد اللحظة، لا يشبه -سابقه من- جيل الكبار (وأعني هنا: «التسعينيون»)، الذين أخرجوا قصيدة النثر من هودجها المتباطئ إلى شجرتها الناحلة البيضاء -من غير تفعيلةٍ أو عمودٍ أو صلصال ندمٍ- تحديدًا منذ منتصفٍ للتسعينيات، وامتدادًا من اللحظة البائسة قبلها، عندما حلّق نسرٌ جبليٌّ من على شرفاتٍ بـ»الأبيض والأجعدِ» لينعطف يسارًا وفي مخلبيه مشعل (القصيدة) التي انبلجت فأضافت وطنًا من الثلج والأغنيات.

على أن الأعمّ الأغلب من نصوص/ عناقيد هذا الملف اليمنيّ، هي لشعراء الموجة الألفينية الأنيقة الحالمة، مع استثناءٍ قليلٍ جدًا من قصائد شعراء كتبوا أولى المحاولات نهاية العقد الأخير من ألفيةٍ مضت، ذلك لأنهم: «إلى الألفينيين أقرب»، ولأن «موجةً أحدث جدًا» لا بد من الإشارة إليها، تتشكل حممًا ونسائم،…. هؤلاء يمكن اعتبارهم أصوات (الاندلاعة الأجدّ) مابعد ثورة فبراير 2011 حتى الآن وهم كثر لا سيما الشاعرات. نفيد أيضًا بأنّ هذه الحزمة الحداثوية من الشعر اليمني الراهن، لم تقتصر على كُتّاب قصيدة النثر، لوحدهم، فثمة -هنا- شعراء (هم أصلًا) يكتبون قصيدة الوزن بتمكن، وجدت محاولاتٍ (رائعةٍ حداثويَّةٍ) لهم فسحةً بين هذا الموج الصاهل، وفي المجمل: رأينا أن نقدم (على امتداد هذا الشجن اليمانيّ) كتابة شعرية ذات أجنحةٍ تطير عاليًا بين مجرّاتٍ من ماءٍ أزرق، نتمنى لها أن تذهب إلى الله مباشرةً، ولتذهب الحرب -وهذه أمنية تتأوّه جدًا- إلى جنّياتٍ في الجبل الأسود، خلف البراري القاحلة في كبد المرّيخ!