عندما أضاءتْ بغداد الكتابَ..

يوسف المحمداوي

« خير جليس في الزمان كتاب» هذا ما ينطبع في الذهن وأنت تشاهد الاقبال الجماهيري غير المسبوق على أجنحة معرض بغداد الدولي للكتاب للعام 2019، أكثر من (700) دار نشر تسابقت على استقبال الزائرين من العاصمة بغداد ومختلف محافظات البلاد.
شيوخ، شباب، نساء، رجال، عوائل وكأنك في عرس ثقافي حقيقي بيّن للقاصي والداني العشق المتجذر في قلوب وعقول أبناء الرافدين للكتاب بجميع عناوينه المعرفية سواء كان أدبيا أو علميا أو فلسفيا أو فنيا ، أكثر من مليوني عنوان امتلأت بها رفوف أجنحة دور النشر الأجنبية والعربية والعراقية كانت محط جذب تلك الحشود التي أعطت الأدلة والبراهين بأن الكلمة الورقية ما زالت الحاكم بالرغم من الآراء التي تقول بأن سطوتها تلاشت في ظل الحضور الكبير للانترنت.

مشكلة الكتب المستنسخة
سامح عماد الموظف في دار المركز القومي للترجمة التابع لوزارة الثقافة المصرية أشار إلى أن الدار تشارك لأول مرة في المعرض الذي وصفه بالمعرض المميز قياسا بالمعارض العربية الأخرى التي شارك فيها قياسا للحضور والاقبال الكبير على التبضع، وبيّن عماد ان الدار هي من ضمن خمس دور حكومية تخلفت أربعة منها لاسباب أمنية كانت تقلقها لما تعرض له العراق من إرهاب، ولكن والحديث للمصري عماد بأنه سينقل في تقريره للوزارة حقيقة ما يجري في العراق من انتعاش ثقافي يستحق حضور جميع الدور الحكومية للمشاركة في معرض الكتاب لدورة العام المقبل، مبينا ان ايجار أرضية الكتاب التي كانت (75) دولارا للمتر المربع الواحد، وكذلك ايجار الرفوف بمعدل (30) دولارا للرف الواحد اسهمت في رفع سعر الكتاب، وشارك عماد موظف الدار رضا سالم بالحديث عن ظاهرة وصفها بالشائعة وهي الكتب المزورة (المستنسخة ) مبينا ان الكثير من العناوين الخاصة بالدار وجدها تباع بأسعار بخسة في شارع المتنبي من غير رقابة وهذا خلل كبير وعدم احترام للملكية الفكرية بحسب قوله، متمنيا ان يكون هناك تخفيض خاص لدور النشر الحكومية لكي تكون المشاركة أوسع.

اقبال غير مسبوق
المسؤول عن دار الجمل للنشر والتوزيع عبد الله جاسم محمد بين ان المعرض في دورته الحالية فاق التصور في الحضور والمبيعات، مضيفا انه تميز عن الدورات السابقة للمعرض بحسن التنظيم والتبليغ المسبق عنه من قبل الجهات المنظمة والراعية له، وعن ايجار الأرضية يرى محمد بأنها مناسبة جدا، لكون ايجار المتر المربع الواحد بلغ (100) دولار في المعرض الذي تقيمه مؤسسة المدى في أربيل، وأبدى محمد ملاحظة عن غياب السجلات التي تخص دور النشر المشاركة.
المواطن علي جاسم من محافظة واسط والذي ملأت كيس تبعضه الكتب الأدبية علق وهو يرى بيدي جريدة « بين نهرين» قائلا : «انها تباع بألف دينار في المحافظة ومع ذلك تنفد سريعا لقلة الاعداد التي تصلهم بحسب قوله»، مبينا ان أسعار الكتب لهذه الدورة مناسبة جدا خاصة المتخصصة بالسرد، ولم يخف جاسم سروره وهو يشاهد الاقبال بهذه الصورة من قبل الشباب العراقي لكونه دليل عافية لنشر الوعي الثقافي لمختلف شرائح المجتمع.

معرض مصري بامتياز

«سامر سعده» عن دار القلم السورية بدأ حديثه بتحسر واضح مبينا لنا ان القول القديم الذي يقول « القاهرة تؤلف، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ» لم أشعر به في هذا المعرض الذي شاركت به الدار لأول مرة، مبينا أن الاقبال على المعرض كبير جدا لكن التبضع لايسر وأغلب الدور السورية محبطة جدا ومتفاجئة بهذه القطيعة من قبل المواطن العراقي، وأوضح «سعده» ان السبب الرئيس للقطيعة بين الدور السورية والمواطنين يعود لكثرة الدور المصرية المشاركة بأسعار منخفضة جدا مما جعلها قبلة للتبضع، مشيرا الى ان هذا الأمر جعل المعرض مصريا بامتياز، ويرى سعده ان مشاركة دورنا في الدورات المقبلة للمعرض شبه معدومة في ظل هذا المشهد.
دار الكتاب العراقي للكتب المسيحية الذي شهد الاغلاق ليوم واحد بيّن موظف الدار « ماثيو كفاح» ان سبب الاغلاق كان لوجود عناوين بعض الكتب التي لم ترد ضمن القائمة النهائية التي أرسلت لمنظمي المعرض، وتم رفع تلك الكتب واعيد افتتاح الدار، وأشار كفاح ان الاقبال واسع جدا وكذلك التبضع وخاصة على الكتب الأدبية كالرواية والشعر، وكتب التنمية البشرية، ومايميز المعرض هو اقبال الشباب على الكتب العلمية والفكرية وهذا أمر يبعث السرور في قلوب الجميع بحسب قوله.

تسابق في الحضور
مشاهد كثيرة وكبيرة احتصنتها أروقة المعرض، رجل مسن بعكازته يطوف بين أجنحة المعرض باحثا عن مبتغاه، أطفال بعمر الورد مع عوائلهم تجمعوا عند دار متخصصة بالعناية بأدب الأطفال، أدباء يتناقشون على مقاعد مقهى رضا علوان وهم يحتسون فناجين القهوة، وزراء وقادة الجيش والشرطة يتسابقون في الحضور، فنانون تشكيليون، مسرحيون، رياضيون، موظفون، موظفات، الهواتف المحمولة لم تنقطع أبدا عن التقاط صور للذكرى، وهناك في وسط المعرض اقام الفنان ستار نعمه عمله التركيبي «الانستليشن» الذي جعل من المواطنين يتسابقون في التقاط (السلفيات) مع هذا العمل الرائع بسعادة لا يمكن ان تفي نشوتها أي كلمات في الوصف.

مشاركة عربية واسعة
ستار محسن صاحب دار سطور المتميزة بحضورها المميز من خلال المساحة التي شغلتها داخل المعرض بيّن لنا : ان معرض الكتاب في دورته الحالية تميز بسعة المشاركة العربية اذا ماقورن بالدورات السابقة، حيث تصدرت دور النشر المصرية والسعودية والكويتية والسورية واللبنانية دور النشر العربية الأخرى، وأوضح محسن ان سر نجاح المعرض هو الاستعداد المبكر للمعرض فضلا عن الوفرة بالعناوين الجديدة التي لم تنشر سابقا، وكذلك الاستلام المبكر لأرضية المعرض من قبل الجهة المنظمة « اتحاد الناشرين ودار العارف» ويرى محسن ان الاقبال اكثر من رائع، والمبيعات جيدة، وعن ظاهرة الاستنساخ يبين محسن انه لابد من تدخل حكومي للحد من هذه الظاهرة وبات أصحابها معروفي الهوية في شارع المتنبي، وأوضح محسن ان دور النشر الكبيرة والمميزة بلغ ايجارها (100) دولار للمتر المربع الواحد وهذا ما ينطبق على دارنا كما ذكر محسن ، مضيفا ان عدم شيوع ظاهرة تخفيض سعر الكتاب هي بسبب الأعباء المادية التي يتحملها الناشر من ايجار الأرضية والرفوف، وتمنى محسن من الدولة ان تقوم بدعم دور النشر من خلال العمل بنفس الروح التي وجدناها في معرض القاهرة فهي تؤجر المتر المربع الواحد لدور النشر المصرية بخمسين دولارا، وايجارها لدور النشر غير المصرية بـ(160) دولارا، على العموم والحديث لمحسن ان معرض بغداد الدولي في دورته الحالية يستحق الإشادة والشكر للجهات الراعية له

نجم والي 

يطلق الرصاص في رأس الإرهاب

شهد معرض بغداد الدولي للكتاب في العام 2019 عدة اصدارات جديدة مهمة تلامس الواقع العراقي بصراحة وموضوعية، وتصدّر تلك العناوين الدراسة النقدية والثقافية والتأريخية التي قدمها لنا الروائي العراقي نجم والي في كتابه الموسوم» في رأس الإرهاب…عن القتل مع الله وبدونه»، الكتاب بطبعته العربية الأولى صادر عن دار» ابكالو» الالمانية للنشر والتوزيع، لكن يجب الاشارة ان الكتاب صدر بترجمته الألمانية عن دار « ريسدينتز فيرلاغ فيينا» في العام 2016.
الكتاب المكون من (198) صفحة بطباعة أنيقة وبغلاف مميز يأخذنا المؤلف فيه من ص 7 الى ص 14 لمدخل يؤكد فيه والي ان الإرهاب داء عقيم وقديم ولا دين له، وهذا ما أكدته له شقيقة المؤلف في مكالمة تلفونية معه حين قالت له وهي صاحبة الاولاد التي كانت تود ارسالهم الى اوروبا للدراسة:» اوروبا هذه التي هي بالنسبة لها منارة للعلم والأنوار، ترسل أربعة شباب انتحاريين، لكي يقتلوا عن طريق سياراتهم المفخخة أكبر عدد ممكن من العراقيين بسبب أصلهم المذهبي لاغير: أنهم شيعة؟، ثم ينتقل بنا والي الى عنوان لافت « القتل بين الموقف الشخصي والموقف من القضية العامة» وفي هذا الفصل يقارن الكاتب بين الهجمات التي حدثت في باريس وبين بطل قصة فيلسوف الوجودية الفرنسي «جان بول سارتر» والتي حملت العنوان»هيرو سترات»، ويبحر بنا المؤلف في عنوان آخر هو»الإرهاب بأشكاله العملية …..الدولة راعية للتعصب عرابة للقتل» يتحدث فيها عن مثال اقتبسه المؤلف من رواية» لمن تقرع الأجراس» للروائي همنغواي» ويذكرنا فيه عن « الفيلق الأجنبي الفرنسي» الذي خرج آلاف القتلة، وينتقل بنا والي الى عنوان آخر « القتلة كمهنة» وفيه يتناول قصة حياة الإرهابي الالماني « شتيفان د» ميكانيكي السيارات الذي تحول الى قاتل داعشي بامتياز، بعدها يختم المؤلف كتابه بملحق المصادر، نجم والي يقودنا في هذا الكتاب الى طرح موضوعي لحقيقة الإرهاب في دراسة ممتعة تستحق الابحار في سفينة ساردها.