فوبيا .. الجسد العاري

زكية خذير

إن الجسد هو” التابوه” الذي ليس للمرء الحديث عنه الا من وراء حجاب، شأنه شأن الجنس والدين والسياسة، لكن الحديث اليوم في هذا الشأن يفرض نفسه جراء تواتر الاحداث التي تطرح داخلنا الكثير من التساؤلات وتضعنا امام عديد الاحراجات.
لقد بات واضحا أن العالم العربي يحتل المراتب الأولى ضمن أكثر الشعوب استهلاكا للأفلام البورنوغرافية وفي حين بلغت نسب التحرش والاغتصاب أرقاما مفزعة تستوجب دق ناقوس الخطر لكننا نرتاع لأن هذه النواقيس لا تدق في وجه التحرش والاغتصاب بل ضد الجسد كتعبير فني، ضد لوحة عارية، ضد تمثال، ضد رقصة ….

إن ما حصل بالعاصمة التونسية من استنكار واستهجان وصل درجة التنديد لتعري الممثل السوري الألماني في احدى المسرحيات لا يمكن ان نضعه تحت المجهر كحدث معزول عن الاحداث المشابهة له التي حدثت تباعا وفي نفس الفترة تقريبا والتي سنسردها على التوالي
– أحد رؤساء الدول الإسلامية يطلب تغطية التماثيل في زياراته الرسمية.
– مواطن جزائري يقوم بتحطيم تمثال عين فوار بالعاصمة الجزائرية (وهو تمثال لامرأة)
– ان المسألة لا تتعلق هنا برفض الجسد فحسب من حيث المبدأ بل ان التساؤل يطرح عن سر هذا التناقض المستفز بين ما يريد المجتمع ابداءه في كونه مجتمعاً محافظاً على الفضيلة والقيم والاخلاق وبين حقيقة انفصامه وتفككه داخليا وعدم قدرته على الاعتراف بذلك.
– وتجدر الملاحظة هنا ان اقرارنا بأن هذا المجتمع غير سوي ليس مجرد انهزامية بل هو ضرب من ضروب التعرية التي يجب الوقوف على أسبابها ومسبباتها لإيجاد حلول مناسبة، ذلك ان الحلول الجاهزة والمسقطة عادة ما كانت تؤكد في كل مرة فشلها وتعميقها للأزمة أكثر فأكثر.
ان هذا التعارض و “الشيزوفرانيا” يوصلنا الى استنتاجين أساسيين يمكننا ان نتناولهما من جانبين مختلفين:
أولهما ان الانسان العربي غير ناضج جنسيا وجسديا وتعامله مع جسده وجسد الآخر لا يمكن إلا أن يكون في الإطار الجنسي، وأنه مازال بعيدا عن أن يتعامل مع الاعضاء التناسلية كما يتعامل مع باقي الاعضاء كاليد والساق..الخ، وصعب أن يخرج الجسد العاري من النظرة الجنسية ليُقبل أو يُتفهَّم كفكرة مجردة داخل تعبير فني ما…
وجهة النظر الثانية وهي الأهم لأنها تفسر الاولى هي كون الرأسمالية العالمية تفعل ما في وسعها لتجعل بلدان العالم الثالث تبقى على ماهي عليه “مستهلكة” للفعل الفني والإبداعي، وترى أن من حقها أن تجعل الشعوب العامة تعتقد أن الفن و الحرية هي مجرد تعرٍ وتفسخ أخلاقي وبذلك يهجر المواطن هذا الفن، الذي يعد الوحيد الذي يضطلع بدور المقاومة على محدوديته بشتى التعبيرات بالكلمة والصورة وبالرقصة و بالجسد (عارياً ومغطىً).
إن الرأسمالية العالمية تعلم أن الشعب اذا ارتقى إلى درجة الاستقرار الجنسي وترفّع عن المرحلة الحيوانية فإنه يصير بذلك شعبا حرا ويرتقي بوعيه إلى مرحلة يكون فيها قادراً على أن يدافع عن نفسه ووجوده وبالتالي طبقته، ومن شأن ذلك أن يمثل خطرا محدقا على الامبرياليات العالمية ووكلائها في هذه الدول من رؤساء و مسؤولين.
في هذا النظام العالمي لا مكان للصدف، فمن جهة نحن قوم غير مكتملين وغير ناضجين فكرياً وجنسانياً وهنا يكمن دور المثقف العضوي الفنان الذي عليه هنا أن يضطلع بهذا الدور التوعوي، ومن جهة أخرى ضخامة الماكنات العالمية التي تقضي على كل نفس تقدمي هدفه الرقي بوعي الشعوب وتهدم برنامجه التنويري عبر تتفيهه و تشويهه بشتى الوسائل، ولعل المليارات التي تصرف على إنتاج وتسويق الفن الهابط كالافلام التجارية والاغاني التافهة ومسرحيات الضحك المجاني اكبر دليل على ذلك.
لكن كي لا ننسى نحن شركاء فيما نحن عليه اليوم.