حسين علاوي
أضحى مصطلح الحداثة اليوم من أكثر المصطلحات دوراناً على الألسن، وحضوراً في المجال الفكري والفلسفي. وقد شكّلت هذه المفردة أرضاً خصبة للتحليل وإطاراً معرفياً للمجال والحوار بين عموم المشتغلين في حقل الثقافة والفكر والدين والتجديد الحضاري. ولم تكن هذه الظاهرة مقتصرة على التداول في المجال الغربي فقط، بل أصبح لها حضورٌ في الخطاب العربي والإسلامي، خاصة الإيراني. ولأنَّه أدخل العقل إلى مناطق ومجالات جديدة للتفكُّر، كانت ممنوعة أو محرّمة
أضحى مصطلح الحداثة اليوم من أكثر المصطلحات دوراناً على الألسن، وحضوراً في المجال الفكري والفلسفي. وقد شكّلت هذه المفردة أرضاً خصبة للتحليل وإطاراً معرفياً للمجال والحوار بين عموم المشتغلين في حقل الثقافة والفكر والدين والتجديد الحضاري. ولم تكن هذه الظاهرة مقتصرة على التداول في المجال الغربي فقط، بل أصبح لها حضورٌ في الخطاب العربي والإسلامي، خاصة الإيراني. ولأنَّه أدخل العقل إلى مناطق ومجالات جديدة للتفكُّر، كانت ممنوعة أو محرّمة. فغطّى على الكثير من الأفكار الكلاسيكية والتراثية التي كانت شبه مقدسة ولا يجوز تجاوزها أو حتى النقاش فيها.
وقد أفرزت هذه التحوُّلات في الفكر نمطاً حديثاً من التصور بشأن الإنسان، بأن جعلت منه مركز الوجود ومحور الكون وقامت بتفكيك أنظمة المعارف لتوسيع مجال التفكير والنقد بما ينسجم مع العقل العلمي المعاصر. ويَعدُّ شروس أنَّ هناك رؤيتين للحداثة، الأولى للخواص والأخرى لعامة الناس، والحداثة تجيب عن أسئلة عامة الناس بأنَّ عالمنا الحالي يختلف عن العالم في الماضي. ويكفي أن يفتح الإنسان عينه ليرى هذا التفاوت في العلم والتقنية والصناعة وأنَّ الكثير من معالم التجديد الذي ترتبط بعالم الأفكار والحداثة في العالم الخارجي يسبقه تجديد بعالم الأفكار وهذه رؤية الخواص(1).
بل ويذهب أكثر من ذلك ويقول: إنَّ الرؤية الكونية للإنسان أضحت عقلانية، في حين أنّ الرؤية الكونية للإنسان في الماضي أسطورية، وأنَّ عقل الإنسان الحديث اختلف بشكل ماهوي عن عقل الإنسان القديم، إلّا أنه يعدُّ العالم القديم كان أكثر تديّناً. وكان البشر يتطلعون إلى السماء وما وراء الطبيعة، ويطلبون من ذلك العالَم حاجاتهم ويعتقدون بأنّ وجودهم وإمكاناتهم مرتبطة بذلك العالم، بينما الإنسان في العالم الحديث قطع ارتباطه بالسماء وأنكر أو تناسى وجود ارتباط مع العالم القدسي أو المعنوي، فدوْر الله في حياة القدماء كان دوراً محورياً، لا يمكن أن يحلّ شيئاً آخر محله والحال أنَّ الإنسان الحديث قلّما يذكر الله بل يعتمد على عقله وإمكاناته البشرية (2).
والنتيجة التي يريد أن يخرج بها سروش أنَّ القدماء كانوا يتحركون في حياتهم بعقولهم ولكن لا يسألون عن حقيقة العقل وكانوا يعيشون التوغُّل في الدين والفَرق في تعاليمه ولكنَّهم لا يبحثون عن علم الدين، كانوا يملكون أيديولوجية ولا يملكون معرفة عنها ويفتقدون إلى عالم المعرفة العام وأنّ جوهر الحداثة والتجديد في العالم الحديث، يكمن في ظهور المعارف التي ترتبط بالعلوم والعالم لم يتجدَّد بالعلم والتقنية الجديدة بل برؤية الإنسان التي تتصل بالمعارف وأنَّ العقل أخذ يلتذ بطرح الإشكال ولا يأنس بحالة التسليم واليقين التي كان يفرضها الفكر الكلاسيكي.
ويَعدّ مصطفى ملكيان أنَّ من غير المفهوم القول إنَّ أحداً يريد الإبقاء على الأسلوب التقليدي، في عصر ينزع فيه الجميع نحو التجديد؛ لأنَّ وجود هذا الفرد الواحد بحدّ ذاته دليل على أنَّ الاتفاق التام على الحداثة غير حاصل. وهذا ما يجعل سلطان الحداثة لا يُكرِه الإنسان على التفكير والحياة الحداثية لكنَّه يجعل الأفكار والحياة التقليدية صعبة المنال. وكلّما ازداد عدد الذين يختارون الحداثة، وكلما أوغلت الأفكار والحياة الحداثية في النقاء والعمق كان انتهاج الأسلوب التقليدي أصعب من الناحية النظرية والعملية.
ويعتقد ملكيان أنَّ ما يحتاج إليه الإنسان المعاصر، ليس تخطّي الحداثة، وإنما التّغلُّب على نواقصها وأنَّ العودة للأفكار التقليدية غير ممكن ولا محبَّب. لأنَّ الإنسان آثَرَ التحرر من سلسلة الجهالات والأخطاء وتخلّى نهائياً عن نمط الحياة التقليدية وأنَّ الذي ينعتق من الجهل، لا يستطيع أن يعيش، وكأنَّه لا يزال على جهله القديم وأنَّ الحياة التقليدية غير خالية من السلبيات والعيوب وأنَّ حياة وأفكار ما بعد الحداثة، هي الأخرى ليست سوى استمرار منطقي وطبيعي للحداثة(3).
وبما أنَّ الحداثة أصبحت انفجاراً في مضمار الحياة الإنسانية، لا يمكن الإحاطة بها وإدراك أبعادها وفيها مصادر قوة أكثر حيوية، لم يكن يمتلكها الإنسان وأنّ ثمّة ديناميكية حياتية يشهدها سباق الحداثة دائماً. ويعتقد محمد مجتهد سبشتري أنّ العالم الخارجي سوف يتعرَّض للتشكيك والمساءلة في الامتيازات الاجتماعية والسياسية والدينية والثقافيةأيضاً، لأنَّها ستفقد فاعليتها هي الأخرى. وسيشعر الإنسان أنَّه لا يستطيع الحياة في القانون القديم ولا بد من تشريع قوانين جديدة كما لا يمكن مواصلة حياة كريمة في المؤسسات السياسية السابقة ولا يستطيع العيش وفق النظام التربوي القديم.. فإنّ كل هذا في زمن الحداثة والتشكيك، يتعرَّض للنقد دوماً. وتتضاعف تعقيدات الداخل الإنساني، فيعتقد البعد الذهني للإنسان باضطراد، وهذا غير موجود في التراث الكلاسيكي للحياة التقليدية أو التراثية وأنَّ التشكيك في العالم الخارجي, وتعقّد العالم الداخلي للإنسان، من الخصائص المهمة في الحداثة وإلى قراءات حديثة للتراث (4).
ويبقى السؤال في الفكر الإسلامي الإيراني أو الإنساني العام: هل ثمّة مفارقة وتناقض في المجتمع بين الإيمان والحداثة في المجتمع الإنساني؟ وهل يكون سلوكنا غير متجانس حينما نكون مؤمنين وحداثيين في آن واحد؟ وهل نلتزم بشكل واحد من أشكال القراءات للدين في هذا العالم الذي يتّجه بنا نحو ما هو أحدث؟
أعتقد أنَّ الجواب هو النفي، لأنّ أصحاب الاتجاه التقليدي الكلاسيكي، لا يكون لهم دور فاعل في تنشيط حركة الحداثة والعصرنة، لأنَّها باتت تغزوهم في مختلف الأبواب والمجالات من حياتهم الفردية والاجتماعية، ولا خيار لهم غير التعرّف على هذه الظاهرة والتأمل فيها بالدراسة والتقييم.
1 – التراث والعلمانية، عبد الكريم سروش، ترجمة: أحمد القبانجي، ص207 – 208.
2 – المصدر نفسه، ص209.
3 – التراث والحداثة، حوار مع مصطفى ملكيان، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد (30)، 59-61.
4 – أنظر: ثلاث قراءات في عصر الحداثة، الشيخ محمد مجتهد سبشتري، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، المصدر نفسه، ص66 – 67 .