صلاح محسن جبر
مميزة هي تلك الكتب غير القابلة للتصنيف خصوصاً تلك المتشاطئة بين الشعر والفلسفة، والفلاسفة غير الرسميين الحكماء الأوائل، الذين يعلّموننا فنّ التفكير والعيش والخلاص معاً، خلاص عن طريق الفن والشعر والفلسفة بأن تُقدم لنا نوعا من العزاء في فاقة هذا العالم الموبوء بالنقص والزوال والمهدّد بالحروب والعطب وبالملل والكسل في أفضل الأحوال، هنا تبرز قيمة الفيلسوف كطبيب روحي لعصره، والفيلسوف والكاتب اللاهوتي السويسري – الألماني ماكس بيكارد (1888- 1965) يندرج ضمن هذا الطراز من الفلاسفة، الذي عاصر أهوال الحرب العالمية الثانية الملقّب «بضمير أوروبا» ، وحديثنا عن كتابه عالم الصّمت (1948) الصادر عن دار التنوير ، ط1 ، 2017 ، ص 206 من القطع المتوسط ، ترجمهُ القدير الشاعر قحطان جاسم عن الإنجليزية بمقدمة رشيقة تُعرف بالفيلسوف وحياته ومكانته الفلسفيّة والفكريّة، مؤكّداً بأنّه رغم ترجمة أعماله إلى معظم لغات العالم، بما فيها الهنديّة واليابانيّة، لاحظ الغياب التام والكلي لأي بحث، أو متابعة فكريّة أو أدبيّة لأفكاره بالعربيّة رغم المكانة المهمّة التي يحتلها بيكارد في اللاهوت المعاصر، والتي جعلت كلاً من الروائي هيرمان هسه والشاعر ريلكه من بين أشد المتحمسين لكتاباته، ولانريد أن نرتكب خطأً مضاعفاً في عدم التعريف بكتابه في الأقل.
هل عليَّ أن أعترف؟
بهذا العنوان يمهّد الفيلسوف الوجودي الفرنسي جابريل مارسيل (ت1973) للكتاب ويعترف أن الكتاب أربكه لأول مرة، وأنّه بعد فترة طويلة لعام تقريباً صار أكثر وعياً لمضمونه وأنّه لامس أوتاراً في روحه، وصار أكثر وعياً لما يسميه المرء قيمة الأنطولوجي، أو فلسفة الوجود، واللغة الإنسانية. وأنّه مدين بهذا الوعي لقراءة هايدغر (ت1976) العميقة لهولدرلين وريلكة والتي كانت عبارة عن محاضرة بعنوان (هولدرلين وماهية الشعر) التي ألقاها لأول مرة سنة 1926، وليس بمستغرب حماس مارسيل لكتابات بيكارد فهو يشاطره نفس الهم الروحي والمزاج الفكري وكلاهما ينتميان لنفس «الجيل الاحتراقي» الغربي الذي خبر الحرب وشهد ويلاتها، وحتى بيكارد لايخفي أعجابه بالفلسفة الوجوديّة المعاصرة بوصفها محاولة للابتعاد عن ميكانيزما الضجيج والأشياء اللفظيّة.
عالم الصّمت محاولة شعريّة تأمّليّة للإمساك بسرّ الصّمت والإنصات إليه أيضاً ، نستطيع الحديث عن فلسفة للضحك او عن فلسفة للفن، لكن كيف لنا أن نتحدث عن فلسفة للصّمت؟، كيف يتمّ الحديث عن «الصّمت كأصل للكلام» ، يُجيبنا بيكارد بأنّه لاداعيَ للاستغراب كون «الصّمت أصلي وبديهي مثل الظواهر الأساسية الأخرى، كالحب والولاء والموت والحياة ذاتها. لكنّه وُجِد قبل كلّ هذه الأشياء وهو موجود فيها كلّها».
الصّمت يملك زمام الزمن، زمام زمانه الخاص ولايزال «مثل حيوان قديم منسيّ منذ بداية الزمن يعلو على كلّ عالم الضجيج التافه، لكنّه كحيوان حيّ، وليس كصنفٍ منقرضٍ، فإنّه يترصّد، ولايزال يمكننا أن نرى ظهره العريض يغور إلى أعمق حدٍّ بين الأزهار البريّة وأدغال عالم الصخب. كما لو كان هذا المخلوق ما قبل التاريخ ينغمر تدريجياً في أعماق صمته الخاص. ومع ذلك يبدو كلّ ضجيج العالم اليوم أحياناً كطنين حشرات صرف على ظهر الصّمت العريض».
يُطلعنا بيكارد على تمثلات عديدة للصّمت لاتخطر على بال أحد ويعطيه دلالات متنوعه وغريبه، وهو في العمق نقد أيضاً للمجتمع التقني الذي لايحترم الصّمت والذي أفرغ اللغة من طابعها القدسي والروحي، اللغة قداسة، وكيف تحوّلت تحت ضغط السوق إلى أداة للتبادل المصرفي مثل أي ورقة نقديّة تبلى وتنمحي من فرط ماتداولتها الأيدي «لاتبدو اللغة التي يتكلّمها الناس في المدن تنتمي إليهم أكثر. إنّها مجرّد جزء من صخب عام، كما لو أنّ الكلمات لم تعد مصاغة بواسطة شفاه بشرية، بل كانت محض صرخة وزعيق قادم من ميكانيكية المدينة»، في المدن الكبيرة يغيب الصّمت «المدن الكبيرة تشبه خزانات ضجيج عملاقة. صنع الضجيج في المدينة، مثلما صنعت البضائع… ضجيج يفرخ فوق المدينة وينزل على الناس والأشياء» وديكتاتورية الماكنة تريد احتلال حتى صمت السّماء «تجول الطائرات في السماء لأنّ الصّمت عسكر خلف الغيوم. ضربات المراوح تشبه صفعات عديدة ضد الصّمت» ، لكن في ليل المدينة عندما تطفئ الأنوار يستلقي الضجيج مثل جسد متعب «تبدو الشوارع مثل أعمدة سقط تحتها الضجيج واختفى فيها. تغفو الناس والأشياء بصورة منهكة، كما لو أنّهم لم يعودوا مملوئين بالضوضاء. . وتبدو جدران البيوت مثل الجدران الأماميّة لمقابر ضخمة متداعية وتالفة» في قلب الصّمت «تطلّ أشعة ضوء أنيس من خلال شقّ في قمة سطح بيت. حينها كما لو كانت الأشعة مرسلة، مثل حمامة من سفينة نوح، لترى فيما لو أن الوقت حان لترسو المدينة على جبل الصّمت، لكن أشعة الضوء تعود إلى قمة سطح البيت. كانت مهمّتها بلاجدوى – حتى جاء القمر وقبل أن يختفي بحلول الصباح، أخذ معها أشعته».
وفي المعامل والمصانع يُسكب الصّمت في فضاءات فارغة بين قضبان الحديد ويتحوّل إلى ضجيج، كما لو أن الماكنات الضخمة تسحق الصّمت وتبدو كما لو أنّها منهمكة بالحركات الأخيرة للهضم، «والسكون الموجود عندما تتوقف المكائن عن العمل هو ليس صمتاً بل فراغ. ولهذا يوجد فراغ في حياة العامل بعد عمل اليوم في المعمل. يرافقه فراغ الماكنة إلى البيت. تلك هي القضية الحقيقية لمعاناته»، لكن الغريب يبقى الضجيج مثل الأرواح التي تتلبّس سكان المدن «يُقال اليوم أن الناس تحتاج فقط الذهاب إلى الريف لتنال هدوء الطبيعة والصّمت. لكنّهم لم يلتقوا الصّمت هناك، على العكس.. سيحملون صخب المدن الكبيرة وضجيج أرواحهم إلى الريف معهم».
أما في الطفولة، فالأطفال أشبه بتلال صغيرة للصّمت، وتتفتح الكلمات من صمتهم كالأزهار، ولايستطيع الطفل أن يستبدل الكلمة التي تفتحت بصعوبة لتوّها من الصّمت بكلمة أخرى، ولايمكنه أيضاً أن يضع الضمير بدل الاسم «لايقول الطفل عن نفسه (أنا) بل يقول اسمه دائماً: (أندرو يريد…) سيعتقد الطفل بأنّه سيختفي لو كان عليه أن يستبدل اسمه بضمير- اسمه الذي انبعث للتوِّ من الصّمت مع الكلمة «ذلك لأنَّ «لغة الطفل شعريّة، لأنّها لغة بداية الأشياء ولهذا فإنّها أصلية ومباشرة كما هي لغة الشعراء أصلية ومباشرة. (تكسّر القمر)، يقول الطفل عن القمر الجديد، (علينا أن نأخذه إلى أمّه كي تصلّحه)».
«لو كنت طبيباً وطُلبت نصيحتي،
فأنّني سأجيب: أخلقوا الصّمت!»
(كيرككَورد).