ضياف البَرّاق
هرمنا كثيرًا، نكاد على وشك السقوط، وحتى اللحظة، ونحن نقاسي كل أشكال الموت على نحو غير منقطع، بل إن حياتنا، سيئة الحظ، قد أصبحتْ مخنوقةً تماماً بالصعوبات القاسية والصدامات العبثية والمخاوف التي تأخذ المرء إلى جحيم لا يهدأ. ما أقذر الحروب! .
ما أسوأ حظي هذا! أنا مواطن عربي؛ وُلدتُ في زمن الحرب، وترعرتُ وكبرتُ في زمن الحرب، وها أنا أشيخ وأموت في عز شبابي تحت وطأة هذه الحرب الوقحة. إنها حروبٌ وحشية تتناسل كل يوم، حروبٌ شعارها «لن أتوقف، لن أنتهي!». باختصار شديد: «تاريخنا كله محنة، وأيامنا كلها كربلاء». حروب الحروب، على مدار التاريخ، لكننا لم نتعلّم منها شيئًا على الإطلاق. كم نحن بلداء! مَن لا يتعلّم من صِدامات وتقلبات الزمن، لن ينجو من الإهانات المتوالية، وعلى نحو أدق: لا يستحق العيش! هم يقولون «العقل زينة»، وأنا أقول «العقل هو الإنسان». لا إنسان بدون عقل. ويقول المفكر المصري الفذ «سلامة موسى»: أشرف ما في الكائن البشري هو «العقل». لقد كان محقًا تمامًا. إذن، العقل هو الطريق للنهضة، أي نهضة، هو النجاة. ونحن لم نحترم عقولنا بتاتًا، لأننا جعلناها «تحت»، وجعلنا عواطفنا الغشيمة «فوق»، وهذه هي الجريمة! والنهضة الغربية تحققت عندما خرج الإنسان هناك من «فستان الغيب» السحري، إلى عوالم الحرية والحقيقة. وببساطة، لا شيَ يعلو فوق سلطة العِلم. والعِلم نتاج لهذا العقل- العقل الذي جعل الإنسان الغربي إنسانًا حقيقيًا، عاليًا. (ونحن..متى يا ترى سنخرج من لعنة ذاك «الفستان» المزخرف بالذهب؟). باتت عيشتنا لا تطاق! ماذا نفعل؟ هل ننحني ونرفع راية الخضوع، أم نغنّي ونرقص، أم نلجأ إلى العزلة ونموت فيها بهدوء لائق؟، ولكن العزلة ليست كذلك، فهيَ شكلٌ من أشكال الخضوع والتسليم. وربما العزلة ليست سيئة كثيراً، خاصة في ظروفنا القاسية هذه. لكن، بدلًا من اللجوء الكارثي إلى العزلة، يجب أن نصمد، وأن نواجه مشكلاتنا المريرة على أرض الواقع، وعلى نحو عقلاني عصامي. الهَرَبُ في الغالب ليس حلًّا. احذروا الهرب!.
علّمتني الحروبُ دروسًا كثيرة، لا أريد ذكرها هنا، ويكفي أن أقول: بالحب نستطيع أن نواجه كل شيء. الحب الرزين، الواسع، طبعاً. هرمنا جدًا، وبالرغم من هذا كله، ما زال بوسعنا أن نفعل المستحيل إن أردنا. لا تيأسوا، ارقصوا، كافحوا، الحياة غالية وتستحق أن نضحي لأجلها. هرمنا أكثر مما ينبغي.. هل سننجو؟ هكذا أتساءل في يأسٍ عميق. تجيبني جارتي دائماً: موروثنا ضدّ الإنسان، وضد التحضر والبناء». ما العمل، إذَن؟ هل لنا من مخرج عقلاني ينجينا من هذا المأزق الخانق، الخطير؟ تنظر نحوي بغرابة، ثم تبتسم في خفة وأمل: «أكيدٌ سننجو.. علينا فقط أن نثور على هذا الحيوان الخرافي المُفترِس. يجب أن نثور عليه إن كنا بالفعل نريد الحياة الكريمة». هكذا هي جارتي العظيمة؛ إنسانة حُرّة، قوية حتى في أصعب الحالات، تعلّمني دروسَ الحرية والكفاح، وتنشد معاني الحب دوما. وكالعادة، أرى جارتي تُمجِّد الفنون، تقرأ أدونيس باهتمام، وترفعُ داروين فوق رأسها. جارتي تحب الحياة بجنون، وأنا أحترم وأحب جارتي بجنون.