قافلة الشاعر المشّاء

آرثر رامبو بين الغرب والشرق
صمغ دبق وبخور مستعر

د.رسول محمد رسول

يُخبرنا التأريخ بأن المشَّائين هم أتباع الفيلسوف اليوناني أرسطوطاليس، (384 ق. م – 322 ق. م)، فالعلاقة بين التفكير الفلسفي والمشي ظهرت منذ ذلك الوقت، لكن حالة الإبداع تلك ستتكرَّر في القرن التاسع عشر مع تجربة الشاعر الفرنسي آرثر رامبو (1854 – 1891) عاشق الترحال بين المدن والأصقاع والبلدان، ومنها الشرق الأفريقي والعربي، وهي تجربة كانت ولا تزال مثار جدل لكونها تكرِّس المنحى الذاتي والوجودي للشاعر كإنسان، فضلاً عن كونها تجربة ترحاليَّة لشاعر فرنسي أحب الشرق وتعلَّم اللغة العربية وراثة عن والده، لكنه عاد إلى وطنه بساق واحدة بعد أن نهش جسمه المرض، فما هي حكاية ترحال هذا الشاعر الذي عشق قوافل التجارة بالشرق؟
ولد جين نيكولاس آرثر رامبو في «شارلفيل – الأردين» الفرنسية لأب ضابط وأم ربة بيت «فيتالي كويفت» أنجبت ولداُ بكراً «فردريك»، ثم بنتاً سرعان ما توفيت، لتأتي ابنتهما «فيتالي»، وبعدها «إيزابيل» التي كانت الأقرب أخوة لشقيقها آرثر.
في سنة 1860 سيلتحق الوالد النقيب في الجيش بوحدته العسكرية من دون عودة لتبقى الأم وحيدة لسنوات طوال، وتتحمّل عبء أسرتها الصغيرة في ظل السلوك المشين للابن الأكبر، ليبقى آرثر الابن المُدلل الذي ستفقد والدته السيطرة عليه فيتمرَّد عليها وينخرط في ترحال لا هوادة فيه، ومن هنا تبدأ قافلة أسفار الشاعر بين المدن قاطعاً المسافات الطويلة تلك التي كان يجتازها عن وعي وحس مأساوي وهو الشاب اليافع والشاعر المُلهَم الذي كان يبحث عن خلاص في جغرافيا الترحال وهو يجعل من القصيدة قافلته ليقول ما يُريد قوله للعالَم من حوله.

الترحال
في السادسة عشرة من عمره، وتحديدا في 29 أغسطس 1870، يقرر رامبو الابتعاد؛ بل الهروب عن والدته، وبعد أقل من ثلاثة شهور يكرر التجربة ليذهب إلى بروكسل، لتتدخل الشرطة بطلب من والدته ويعود أدراجه، ولكنه سيهرب إلى باريس بعد بيعه ساعته اليدوية، ولا مفر من العودة إلى شارلفيل.
وبعد شهر يقرر النأي عن مدينته مرة أخرى، وهكذا يصبح الترحال سمة لحياته، لكنها السمة المُفكَّر فيها كمنحى لحياته، خصوصاً أنه كتب قصيدته «الشعراء في سنة السابعة» عن حياته مترحلاً في ضوء البؤس الذي يعيشه رفقة أمه حالماً بفضاءات مكانيَّة أخرى مفتوحة، فيقول عن الشاعر فيه:
«في السابعة، كان ينسج روايات عن حياة الصحراء الكبيرة، حيث تلتمع الحرية المَسلوبة، غابات، شُموس، ضفاف، سهوب، كان يستعن بصحف مصوَّرة..» (ترجمة: خليل الخوري، ص 109، بغداد 1978).
يكشف هذا النص الشعري الذي كتبه رامبو في أيار/ مايو 1871 عن عُمق رغبته بالترحال، وكان يخاطب الشاعر والإنسان الشاب فيه الذي يترك لمخياله خلق صور عن صحراء وسهوب مُشمسة وساخنة وجافة يعتقد أنها ستمنحه الحرية التي يفتقدها في طقس أوروبا البارد الذي كان يبدي تذمره منه، فكان يحلُم بـ «البرية العاشقة» (ص 110). وهذا يعني أن الترحال لدى رامبو كان رغبة للتملُّص من قيد الأمكنة نحو فضاءات مكانية أخرى، ولذلك كان يقرر الفرار من مسقط الرأس إلى غيره ليكسر الطاعة العمياء لوالداته وهو لا يزال الولد اليافع لكنه العبقري إبداعا.
كان الفتى الشاعر يحلُم بباريس حيث النور والوهج فيشد الرحال إليها بغية الإقامة فيها، وتكرر ذلك مِراراً لكن رحلته الرابعة لها كانت في سنة 1872، هذه الرحلة التي بدت تراجيدية في طريقتها عندما سافر رامبو سيراً على قدميه إلى عاصمة النور، وكان بانتظاره هناك الشاعر بول فرلين (1844 – 1896)، بل وغيره من مبدعي باريس؛ حتى إنهما عبثا معاً كنديمين وسافرا معاً إلى لندن وغيرها من العواصم الباردة، ولكن تلك الرحلات لم تكن تشفي غليل رامبو الذي جزع من أوروبا وراح يفكِّر بالرحيل النهائي عنها إلى عالَم آخر، إلى عالَم الشرق الذي كان يرزح تحت استعمار بريطاني فرنسي عثماني.

الشاعر المشَّاء
قال فرلين يصف رامبو: «لقد سار رامبو على قدميه بين الجبال والغابات والحقول، يا له من مشّاء!» (نقلاً عن ألان بوريو: ص 82). على أن هذا الوصف ليس بالغريب؛ فرامبو نفسه كان كتب في قصيدته «طفولة» بأنه الشاعر المشّاء:
«إني مشّاء الدرب الطويلة عبر الغابات القزمة، ضوضاء الترع تطغى على خطواتي. أتأمَّل طويلاً الغسيل الكئيب لذهبِ الغروب» (ترجمة: خليل خوري: ص 187).
كان المشي لدى رامبو فرصة لكتابة قصائده، لقد صوَّره فرلين أنه كان يجلس على طبلة خشبية ليكتب الشعر، لكنه الميل إلى الكتابة مشياً كان يمنحه حرية التعبير عن أفكاره ورؤاه أكثر، وهذا تكريس لروح الكتابة وفق طقس القافلة؛ فالترحال ضمن قافلة الكتابة الشعرية كان خياره الأحب؛ خصوصاً عندما يكون بين المزارع والغابات والسهول الخضر الباردة، مثلما كان يفتخر بأنه يتفيأ الأرصفة في باريس ليكتب قصائده حتى قال:
«إنني القديس المُصلي على الرصيف مثلما ترعى الحيوانات الوادعة حتى بحر فلسطين» (ص 187).
لكنّه الشاعر سيستيقظ من السبات الذي بقي يعانيه، فلم تعد أوروبا تحتويه، ليبدأ ضجره منها، أوروبا وجوارها من الدول هي مُستنقعات غربية لا غير، ولذلك يقول في قصيدته «المستحيل» بأنه سوف يهرب، وبأنه صار أوضح من ذي قبل ليُدرك بأن المكوث بالغرب لا جدوى منه، فصار ملفوظ «الشرق» يتكرر في مخياله ليثر في إرادته، كتب يخاطب نفسه:
«إنك في الغرب، لكنَّك حر في سُكنى شرقك»، وصارت ملفوظات مكانية أخرى تظهر في قصيدة «المستحيل»، منها: «الحكمة في الشرق»، و «الموطن البدائي»، و «تأريخ الشعوب الشرقية»، و «التحدًّث عن عدن».
وفي ديوانه (إشراقات)، وتحديداً في قصيدته «رحيل»، سيتوقف رامبو قائلاً عن نفسه بضمير الشخص الثالث: لقد «رأى ما يكفي، نال ما يكفي، عرفَ ما يكفي» (ص 195). وعندها سيتغيَّر مساره الوجودي في الحياة، وسينشد الرحيل إلى جنوب العالَم، ويبدأ حياته مُجرِّباً الترحال ثانية، وهو الترحال الأصعب خارج وطنه الأوروبي.

قوافل الصمغ والبخور
خلال ترحاله المتكرر في كُل مِن بروكسل، وروتردام، ولي هيلدر، وساوثامبتون،وجبل طارق، وسان هيلانه، وكوينز تاون، وكورك إيرلندة، وليفربول، والهافر، وباريس، وشارلستون، وفينا، ومرسيليا، وروما، وهامبورغ، وشارلفيل، وجنوى، والإسكندرية، في كُل تلك المدن ما كان الترحال ليكفيه؛ فثمة رغبة بالمزيد، وفي لحظة ضجر ويأس ينحدر إلى جنوب الكرة الأرضية، إلى تاجوراء الليبية، وإلى هرر في أثيوبيا، ليندفع أكثر إلى الشرق الذي كان يكتبه في قصائده الأوروبية فيذهب إلى جدة، ومن ثم إلى عدن اليمنية.
في الشرق المُستعْمَر يهدر رامبو حياته اليومية بالتجارة، على عكس حياته البوهيمية المتشردة التي كان عليها في فرنسا، ويوجِّه عمّاله في عدن والحبشة باللغة العربية، ولا يكف عن تذمُّره فيما يراه من تعامل سافر يمارسه الإنجليز والفرنسيون والعثمانيون بحق شعوب هذه المناطق المغلوب على أمرها.
كان أصدقاؤه في باريس يسألون عن غيابه، وتعلو وجوههم الدهشة بأن هذا الشاعر جميل الطلة يهمل بلاد النور «باريس» ويذهب إلى جنوب الشرق قاطعاً المسافات والبحار مجتازاً موانئ صاخبة ونقاط تفتيش وهو الهارب من الخدمة العسكرية إلى شمس الشرق اللاهبة، ورمال الصحراء الجافة.
كان شعور رامبو في تلك البلدان والمدن هو شعور المشرد، وذلك إحساس مأسوي كان يداهمه في كُل لحظة من حياته، كان يكتب لأهله عن مأساته اليومية، ويكتب لأصدقائه قائلاً: «إنني محكوم عليَّ باتباع طُرق القوافل»، بل الأكثر من ذلك صار هذا الشاعر الفرنسي هو الذي يسيِّر القوافل التجارية، حتى إنه راح يستخدم في رسائله إلى أصدقائه ووالدته تعبير «قافلتي» فيخبرهم عن إعداد «قافلته إلى شوا»، ومن ثم يقول: «كانت قافلتي تنقل البنادق..»، والمعروف أنه كان يتاجر بالسلاح القديم، وبالقهوة، والصمغ، والبخور، وريش النعام، والعاج، والجلد الُمجفف والقرنفل.
في خضم ذلك التقلُّب الطقسي، بين حرارة المناخ والأمطار والرطوبة والجفاف والجوع والعطش، بين الماء المالح وغياب التطبيب الصحي، في كُل تلك الظروف تفاقمت أوجاعه الصحية، وكان مرض الروماتزم ينهش لحم فخذه اليسرى، ومن ثم بقية ساقه، وفي ربيع سنة 1895 يصبح الشاعر أعرجاً لا يقوى على المشي الاعتيادي في ظل انتفاخ أوردته الملتفة حول الركبة، لتتصلب تلك الأوردة ويمكث مُقعداً عن العمل، وبعد غياب وتذمر من والدته أرسل بطلبها لتحضر إجراء عملية بتر ساقه في 27 حزيران/ يونيو 1891، وبانتظار مطلع تشرين الأول ستتصلَّب ذراع رامبو اليمنى، وتصبح بقية الفخذ المبتورة باردة، ليعود رامبو بقدمٍ واحدة محمولاً على عربة إلى موطنه الفرنسي منكسر الروح، وهناك في مرسيليا يفقد حياته في 10 تشرين الثاني 1891، ليتوقف نبض شاعر الترحال، وتتوقف قافلة حياة آرثر رامبو في الدنيا، رامبو الذي لم يوظف معرفته باللغة العربية، وباللاهوت الدينـي (القرآن الكريم)، وبالحضارة العربية، لأيَّة أغراض استشراقية قط في زمن كان مستشرقو وزارات المستعمرات البريطانية ونظيراتها الفرنسية تتكالب على الشرق العربي كولونياليًا.