عواد ناصر
كل نص هو رسالة موجهة من كاتبها إلى متلقيها.
سواء كان هذا النص بحثاً في الفلسفة أو إعلاناً تجارياً عن مسحوق تجميل.
طالما ثمة كتابة وصورة، أو إحداهما، فهما يحملان تحريضاً ما على القراءة.
وفي الفنون لا يمكن أن يعيش أي نوع فني في ركنه المعتم الذي سيصبح أحد أثاث غرفة الفنان وحده.
الفنانون هم رواد كتابة «الرسالة» الفنية والمبادرون إلى تغيير حال المتلقي الذي لم يعد هو نفسه بعد «قراءة» تلك الرسالة وقد أذيعت على الملأ.
… وفي الكتابة، تحديداً، ثمة فنانون تخلدوا بسبب عبقرية «الرسائل» التي وجهوها للناس، حتى أن أغلبهم فوجئوا بتلك النتائج التي حققتها كتبهم/رسائلهم لا في الأوساط الثقافية والنقدية، إنما في حياة بشر عاديين لم يقرأوا كتاباً واحداً في حيواتهم.
من هنا أدركت السلطات الخائفة، من الكتابة والكاتب والكتاب، خطورة ما تنطوي عليه حال مواطن/ة يقرأ كتاباً.
تاريخ القراءة هو تاريخ الكتابة نفسه.. أول إنسان قرأ علامة على جدار كهف تبعه إنسان آخر «قرأ» تلك العلامة على جدار الكهف نفسه، ولَم تنبثق بعد أية أبجدية في العالم.. أو ما أطلق عليه ألبرتو مانغويل «قراءة الظلال» أي قبل وجود أي حرف أو قلم أو ورقة.
تتعاقب العصور وتتوالى تجارب البشر وتختلف الحياة، بما فيها حياة الكتابة، ومن ثم القراءة، ويتعلم كل كاتب من كل كاتب، سبقه أو عاصره، وليس سوى القراءة والكتابة ما حفظ للناس مآثر الناس، وليس غيرهما من صان عبقريات التاريخ المنسي وحرسها لتحضر إلى العلن، اليوم، ما بات بحكم المدفون تحت الأرض على هيئة أحجار وتراب، إلى أبد الآبدين، ولكن الرسائل التي حملتها تلك الأحجار عاودت الإعلان عن نفسها فوصلتنا ملحمة كلكامش ومسلة حمورابي وغراميات كليوباترا، وما أعقبها الكثير، حتى أن أسطورة إغريقية، شبه مدفونة هي الأخرى، «أعدّها» مواطن إغريقي هو الآخر، اسمه سوفوكلس، قبل أربعة وعشرين قرناً، مسرحية شعرية بطلتها تلك الفتاة العظيمة المسماة أنتيغون التي تحدت أوامر الملك وحرسه الحديدي وذهبت إلى حيث جثة أخيها الثائر، الملقاة للعقبان والذئاب لتجهز عليها، من أجل دفنها كما يليق بالإنسان.
تاريخنا، شخصياً أو عاماً، هو تاريخ قراءتنا وكتابتنا.
أي تاريخ تربيتنا.. تاريخ تعلمنا من تجاربنا وتجارب غيرنا.. تاريخ انتقال المجتمع البشري من ثقافة الأحجار والرقيمات وصناعة الأداة الأولى، من دون نسيان دور الإبهام في يد الإنسان، الذي ميزه عن الحيوانات كلها، إلى ما بلغته البشرية اليوم في أعظم تجليات العقل واختراعاته الباهرة.
لكن للعقل هفواته، بل أخطاؤه الجسيمة، بل جرائمه. فصفحات التاريخ تمتلئ بأصحاب عقول، أو نصف عقول، أو عقول غير مستعملة.
إن اشد ما عانته البشرية، عبر تاريخها، هو ما ارتكبه أصحاب تلك العقول.. وهنا يكمن الفرق بين عقول عديمة الفاعلية، كسولة أو عدوانية، ومنهم عقول تقرأ وتكتب أيضاً.
ولكن، الدرس العقلي الأبلغ هو من علمنا أن العقل البشري الذي يحتاجه كوكبنا المتناهي الصغر، الأرض، هو المنتوج الفكري التواق نحو التقدم والعلم والجمال.
إن مجتمعاتنا العربية، اليوم، هي أبعد ما تكون، عبر تاريخها، عن معجزة العقل البشري لتسقط في وهدة مهزلة العقل البشري، لأسباب كثيرة منها غياب الحرية وانعدام حقوق الإنسان وسط ازدهار الفكر المتخلف والدين المسلح، بصيغته الإرهابية، وشيوع اليأس وبؤس مؤسسات التربية والتعليم، وووإلخ.
والحل؟
لا حل في المدى المنظور سوى الرهان، الذي يشبه الأحلام المستحيلة، باستعادة العقل. استعادة جدوى القراءة والكتابة.
إن أعظم مخترعات العقل البشري بدأت، وبدت، أحلاماً مستحيلة.