لن يكون الموتُ حتى يُصبٍحَ إلهاماً.. جوزيه ساراماغو

مهند الكوفي
ولد الكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو, في السادس من تشرين الثاني 1922. أول كاتب برتغالي يفوز بجائزة نوبل للآداب, عاش في قرية صغيرة لعائلة فقيرة. الحياة الاجتماعية والمكتبات العامة هي الجامعة التي تخرج فيها, لم يقرأ كتابا واحدا حتى سن الثامنة عشر, ذلك لسوء الظروف المادية لعائلته.

فيما يلي ترجمةٌ لمقابلة تلفزيونية أجراها معه الصحافي خوسيه كينتيرو, على قناة الجنوب الإسبانية (canal sur), عام 2005, قبل خمس سنوات من وفاته. يتحدث عن موضوعات كثيرة, الموت, التمرد, والجائزة التي نالها.

«أنت تعرف الاسم الذي اطلقوه عليك، ولكنك لا تعرف الاسم الذي هو لك»

يقول ساراماغو دوماً، لا يقع على الكاتب فعل الكتابة فحسب، إنما يتحمل كل العبء الإنساني في هذا العالم. ما هو مؤكد لنا، إنه يعترض على طريقة وضع الأسماء التي اطلقوها علينا. بالنسبة لي؛ تمنيت في أحايين كثيرة لو أنني أتمكن من تغيير أسمي، حاولت مرارا، ولكنّي لا أعرف ما الاسم المناسب لي، ربما أرتكب الخطأ ذاته، حين أطلق على نفسي اسما آخر لا يناسبني. من هذه النظرة الإنسانية لا يحمل ساراماغو على عاتقه وضع الأشخاص على الأسماء، بل يفكر كثيرا بدلا عن الإنسان. مرة تخطر في رأسه رابطة الطيبين الصالحين، ومرة ينبذ العولمة، ويصفها بالسخافة المتجددة. حيث يقول: من الأشياء التي لا أجدها منطقية، إرسال الولايات المتحدة مثلًا، جهاز متطور في مركبة فضائية إلى كوكب المريخ، لدراسة نوعية الصخور الموجودة على سطحه. وبث ذلك مباشر من الفضاء، إنه عمل أبهر العالم، وما حجم التطور الحاصل. أعتقد أنه من عدم الأخلاقية التمتع بمعرفة ماهية الصخور على سطح المريخ، بينما يُسمح أن يموت الإنسان جوعا في الأرض. ورؤية هذه الصخور البشرية المنتشرة بكثرة على هذا الكوكب. أود القول: أن الفحش ليس في مشاهد الجنس والتعري، بل الفحش أن يموت الناس جوعا في أفريقيا وأمريكا اللاتينية والمكسيك ودول أخرى. لا أريد التكلم أكثر عن الشيوعي العجوز كما يصفه اقرانه. جوزيه ساراماغو لوحة جديدة من ألواح الأدب العالمي.

*لماذا تذكر الموت كثيراً في كتاباتك؟

نحن نتخيل أن الموت خارج عن إرادتنا، ولا صلة له بنا. وهذا الشيء غير حقيقي، إن الموت يولد مع كل واحد منا، مذ لحظة ولادتنا، ونحن نحمل موتنا معنا في داخلنا. يمكننا أن نكون بوضع جيد وبصحة جيدة، ونمضي في الحياة ستين أو سبعين أو ستة وثمانين كما عمري. دون أي معضلة ولكن الموت ما يزال هناك، ولن يكون حتى يصبح إلهاما، لكننا نثأر منه عندما نموت فموتنا سيموت معنا ولن يقضي على أي احد آخر. وهذه هي العلاقة الحميمة التي حدثت لشعوبنا وآبائنا وأصدقائنا. ما اكتبه عن الموت، ليس بهدف مساعدة أي احد على فهم الحالة أبدا. ربما اكتبه لكي يفهم الكِتَاب حالة الكتابة عن الموت. وكل ما هو متبق هو حماقات لا غير.

*هل فقدتَ الحرية، بعدما نلت جائزة نوبل للآداب؟

لا لم افقد حريتي بل على العكس، يمكنني أن أقول حريتي قد توسعت. لأنني ما زلت أقول كل ما أشعر به. وهي صيغة من صيغ الحرية. ليس أنني قبل ذلك لا يمكنني قوله، بل اليوم يسمعني ملايين البشر. ما هو صحيح هو أنني لم اعد مرئيا مثل السابق هذا ما فقدته وللأبد .

*إلى أي مدى تفتقد خاصية العزلة؟

كثيرًا، ولكن أن يقترب منك شخص لطيف يشكرك في الشارع هو أمرٌ جميل ويسعدني. اليوم ما زلت أتمشى في الشارع ويوقفني الناس ويشكروني، مع احتمال أنهم لم يقرؤوا أي شيء مما كتبت. مع ذلك أتبنى أن لا ينتبه الناس لوجودي بينهم لولا ننظر في عمق ما تمنحه نوبل وهي جائزة مهمة بالطبع.هو التعريف بك عبر ملايين الأشخاص لكن الأرض تضم أكثر من ستة بلايين من البشرية لذا هناك أغلبية ساحقة لا تعرف من أكون ولا تعرف من هو «كونتر كلاس» مع ذلك يبقى أولئك الملايين الذين يدافعون عنا ويحبونا.

*ما هو مؤكد، أنك لم تفقد صفتك كمتمرد!

بالطبع لا، عندما يخطر هذا على بالي يوما ما، فسأكون في اعداد الموتى.

*نستطيع أن نقول أن تمردك، يرجع لكونك عشت فقيرا؟

لا، اعرف العديد من الفقراء القدامى الذين أصبحوا أغنياء اشد حيوانية من أغنياء كانوا أغنياء بشكل دائم. المسألة ليس أن تكون فقيرا كمقياس للشرط الإنساني لا بالطبع، ولا أقول أن كل الأغنياء سيئون وان كانوا مرضى في طبيعة الحال .المال مرض وهو خطير بأي شكل كان. وينهش الشخص أخلاقيا.

*يقال أن تواضعك منذ الطفولة اثر بشكل طبيعي عليك.

الأهم من ذلك، لا أريد التخلي عن مبادئي، ولا ارغب بنسيان الماضي. وهذا ما يحدث أحيانًا، إن الشخص يخجل من نشأته الفقيرة فيشتري بيتًا فخمًا. أنا لا اخجل من ذلك، بيتي كان بيتا طينيًا، حيث كنا نعيش في هذه الحالة. يخشى البعض من ذكره، لا اخجل منه، ولا هو مدعاة للفخر، بل هي بيانات لا ارغب بنسيانها ولا أريد أن أنساها. حياتي هي كل تفاصيل الماضي.

*هل أنت سعيد بحصولك على نوبل وأنت لا تمتلك شهادة جامعية؟ وهل أثر ذلك على حصولك إياها؟

لا أعلم أن كنتُ حالة استثنائية، ولكن هناك بعض الكتاب أصحاب الشهادات جامعية، حصلوا على تلك الجائزة. كنت أتمنى أن أكمل دراستي، وأحصل على شهادة جامعية، كذلك لا أتفاخر بها. كل ما في الأمر أن حالة والدي المادية ليست جيدة لم تسمح لي بمتابعة الدراسة. رغم الصعوبات استطعت الحصول على عمل، ومارستُ الكتابة. بعدها نلت جائزة نوبل، في الواقع لم يسألني أحد في الأكاديمية السويدية عن إنهاء دراستي، وما هي شهادتك الجامعية، كما لو كان شرطًا لاستلامي الجائزة.

*المشكلة الكبرى، هناك أغنياء وفقراء في هذا العالم. هذا ما قلته أنت.

نعم هذه هي المشكلة الحقيقة، فما زال العالم ينتج الثروات التي توزع على الشكل الذي نراه حاليًا. ويحاول أيضًا صناعة عالم للأغنياء، لا يعني ذلك أن الجميع سيصبح في درجة واحدة من الغنى، على العكس، توفير كل ما تحتاجه الطبقة الغنية، على حساب الطبقة الفقيرة، التي يزداد العالم إنكارًا وتجاهلًا لها كل يوم. من الأشياء التي لا أجدها منطقية، إرسال الولايات المتحدة مثلًا، جهازٌ متطورٌ في مركبة فضائية إلى كوكب المريخ، لدراسة نوعية الصخور الموجودة على سطح المريخ. وبث ذلك مباشر من الفضاء، إنه عمل أبهر العالم، وحجم التطور الحاصل. أعتقد أنه من عدم الأخلاقية التمتع بمعرفة ماهية الصخور على سطح المريخ، بينما يُسمح أن يموت الإنسان جوعًا في الأرض. ورؤية هذه الصخور البشرية المنتشرة بكثرة على كوكب الأرض. أود القول أن الفحش ليس في مشاهد الجنس والتعري، بل الفحش أن يموت الناس جوعًا في أفريقيا وأمريكا اللاتينية والمكسيك ودول أخرى.

*أنت تدعو إلى التمرد الأخلاقي، أهذا صحيح؟

في الحقيقة أنا أدعو كل العالم إلى التمرد الأخلاقي، أعتقد أننا بحاجة إلى تمرد يستند إلى قيم، إذا خرجت يومًا أطالب بالعصيان، ستأتي الشرطة وستنهال عليّ بالضرب، وأزج في السجن وينتهي الأمر. أنا لا أتحدث عن تلك الأخلاق التي استعملت كأداة لإيذاء الناس والسيطرة عليهم، بل أتحدث عن القيم العادلة، وهي قضية أعمق بكثير، وعلى قدر أكبر من المسؤولية. إذ يجب علينا أن لا نسمح بممارسات غير عادلة وغير نزيهة، وهذا ما أدعوه أنا تمردًا أخلاقيًا.

*الجميع يتفق على إنك مواطن محترم وشخص طيب.

أحاول أن أكون كذلك قدر المستطاع. لكن يبدو أن المواطن الصالح والعمل الطيب، قد أصبح شيئًا كلاسيكيًا نوعًا ما. أصبح في أيامنا، العمل الصالح يُعد شيئًا سخيفًا، وينظر إلى الإنسان الطيب على أنه شخص غبي. لو كان بإمكاني أن أعمل رابطة عالمية ستكون رابطة الطيبين أو الصالحين. أجمع فيها بين الطيبين أينما كانوا في هذا العالم. بغض النظر عن إنتمائهم أو عرقهم أو اعتقادهم، وما عدا ذلك من الفروقات، وسيكون الشرط الوحيد للإنتماء هو الصلاح. إن كنت طيبًا، أنضم إلينا إذن. بعدها نرى ماذا سيحدث للعالم بدون الطيبين. أعتقد أن الطيبين سيتفاهمون دومًا فيما بينهم.

*ألست – اجتماعياً- أقرب إلى شريحة الأغنياء؟

نعم اجتماعيا، لكنني لست فاحش الثراء، على الأقل ليس لدي ديون.

*لماذا لم يعتنق ساراماغو الدين المسيحي؟

لديّ عقلية مسيحية بطبيعة الحال، نشأت في محيط مسيحي، لكني ببساطة لا أؤمن بالله. لا أقصد الإساءة لأحد عند قولي هذا، لكن يحق لكل شخص أن يمتلك إلهه الخاص به، إذا هو أراد ذلك. على كل حال تروق لي فكرة أني سأقابل الله يومًا ما وجهًا لوجه، وهذا ما تبشر به المسيحية أتباعها.