ترجمة وتقديم: علي الياسري
تنقلت النرويجية مايا لونده بين صنوف الكتابة خلال بضع سنين، فمن رواية (عبر الحدود) المخصصة للأطفال كأول أعمالها إلى كتابة القصة والسيناريو للسينما والتلفزيون. لكن ضربة النجاح الأبرز كانت مع صدور روايتها (تاريخ النحل) حين تتبعت شخصياتها عبر ثلاث حكايات بأزمان مختلفة وهي تحاول الإجابة على سؤال حائر ماذا لو أختفى وأنقرض النحل؟ مع هذه الرواية التي ترجمت للعديد من اللغات وصدرت طبعتها العربية بعنوان (حين يختفي النحل) تبدأ لونده مشروعها الأدبي حول رصد الكوارث الايكولوجية المحدقة بالتنوع الاحيائي للأرض والمتضمن أربعة كتب، ظهر قبل فترة وجيزة الرواية الثانية منه بعنوان (أزرق). قدرة مايا لوندة ليست في متابعة التغيرات البيئية فقط ولكن بتلك البراعة في مقاربة المتخيل إلى الواقع حد انكشاف خط الوهم بينهما.
تنص رواياتك على الكثير من الاجابات المحتملة حول البيئة. من أين تحصلين على أجوبتك الشخصية؟
في الواقع أنا أشعر ان كتبي تُثير العديد من الأسئلة، هل تعلم ذلك؟ (تضحك) وعندما انتهي من كتاب فلن أكون حكيمة. فقط تتكون المزيد من الأسئلة في رأسي، لذا أرغب بالتعلم أكثر. وأمل أن أستمر على هذا المنوال. ولكن للاجابة على سؤالك، أنا اتردد كثيرا على المكتبة. دائما أقرأ، كما استمع باستمرار للراديو، وأشاهد العديد من الأفلام الوثائقية كذلك… ما اعنيه، ان روايتي (تاريخ النحل) انبثقت عندما شاهدت فيلما وثائقيا، وسرعان ما تولدت فكرة الشخصيات المختلفة والحكايات المختلفة. لطالما كانت رواياتي تقودها الشخصيات. أحتاج لأكون في داخل الاشخاص الذين اكتبهم، فهم دائما يمثلون جوهر العمل الروائي بالنسبة لي. أنا لست معنية مطلقا بأرسال الرسائل.
ولماذا لا؟
أنا كاتبة روائية. اهتمامي بهذه المواضيع ينبع من قلقي الشخصي. في النرويج لدينا قول (الصواب حيثما تحترق). وهذه الثيمات هي من توقد الأفكار بالنسبة لي، منها تأتيني الحكايات. وبعدها حين اشرع بالكتابة، احاول الا افكر في الرسائل او الرؤى او المواضيع حتى، اسعى للتفكير بالقصص والشخصيات وان اكون داخل شخصياتي لأشعر بما يحسوه. لو أني شرعت بالكتابة كرسالة عندها سأكون مثل السياسي.
هل سبق لكِ التفكير بالدخول للسياسة؟
الكتابة مهمة بالنسبة لي، واذا لم اكتب اشعر بالاكتئاب. ربما في يوم ما حين تنضب القصص عندي فقد افعل شيئا اخر، لكن حاليا فأن الروايات مهمة جدا بالنسبة لي. لدي الكثير من القصص التي ارغب بكتابتها، ايضا مادمت اشعر بضرورة الكتابة لي فسأواصل. لدي القدرة على التحمل. اذا جاز لي التعبير فأنا أمتلك غياراً سادساً. لطالما احببت العمل، ودائما ما عشقت الكتابة، أعتقد انه دافع روحي. وأنا سعيدة لأن هذا النجاح لم يحدث في مرحلة مبكرة من حياتي.
كنتِ في الأربعين من عمرك حين انجزتِ رواية (تاريخ النحل)، أليس كذلك؟
صحيح، وكانت نقطة جيدة في الحياة. لن ادع النجاح يُغيرني. انا سعيدة لعدم حدوثه قبل هذا الوقت، لأنه بسبب ذلك لدي الان اولادي، وأنا كبيرة كفاية بما يسمح لي بالتعايش مع النجاح. عندي ثلاثة اطفال ونحن نتحدث كثيرا عن قضايا البيئة.
وودي هيرلسون (ممثل) قال أن الشباب هم القادة الحقيقيون عندما يتعلق الأمر بالنشاط لأن قلقهم ينبع من قلب نقي.
ابني الاكبر عمره الان 14 سنة لذا نحن نتحدث عن الموضوع بالطبع، ولكن اعتقد انه ينبغي على الجميع التحدث للاطفال حول البيئة. نحن سنترك كل المشاكل بين ايديهم ففي نهاية المطاف هو مستقبلهم.
كيف يبدو المستقبل برأيك؟
اعتقد انك بحاجة لسؤال خبراء في الطقس والماء والانواع المهددة بالانقراض، لديهم معرفة بالاحصاءات اكثر. ما افعله هو محاولة تخيل كيف يبدو المستقبل. نقص المياه هو ايضا قضية رئيسة في روايتي (أزرق) والتي تجري احداثها في العام 2041 حيث النحل قد بدأ في الانقراض بالفعل، لذا فأنا ابدأ بمحاولة تصور كيف يمكن ان تكون الامور، ولكن ضمن اطار الخيال الروائي.
وهل تتشاورين مع خبراء حين تكتبين؟
نعم، ففي سبيل المثال قضيت الكثير من الوقت مع خبير مياه، ونظرت الى الارقام والى العديد من السيناريوهات المحتملة… ومن هنا تولدت لدي العديد من أسئلة (ماذا لو؟) فماذا لو كان لدينا درجة حرارة اعلى، وماذا لو امضينا خمس سنوات بدون اي مطر على الاطلاق، ما الذي سيحدث؟ وكيف سيهتم الناس ببعضهم؟ هل سيقدمون يد المساعدة الواحد للاخر؟ هل سيهتم شمال اوروبا بجنوبها، وهل سنحصل على وضع لاجيء اوروبي داخلي؟
وكيف سيكون الجواب باعتقادك؟
يمكننا فقط تخيل ما سنقوم به والطريقة التي نحل بها المشاكل. في الايام التي يغمرني فيها التفاؤل اعتقد ان لدينا القدرة لتحديد طريقة معينة للتعامل مع الاحتباس الحراري وايقافه لان الطاقة البديلة هي الحدث الاني. وهي منتشرة بكثرة.
ما نوع سيناريوهات (ماذا لو) التي تشغل بالك في الوقت الراهن؟
انا اكتب عن الحيوانات المهددة بالانقراض في كتابي الثالث، وهذا شيء لطالما فكرت فيه. انا حقا خائفة مما سيحدث لجميع الانواع الاخرى على هذا الكوكب. نحن نميل لنسيان كوننا لسنا نعيش وحدنا عليه. حتى الان في المانيا على سبيل المثال هناك انخفاض بنسبة تقارب 70% في اعداد الحشرات خلال الخمس عشرة سنة الماضية. لقد قتل البشر العديد من الحيوانات الضخمة، وهذا ما نفعله منذ الالاف السنين. كان هناك العديد من الحيوانات الرائعة وخلال فترة 10-15 سنة الماضية اختفت العديد منها بسبب الانسان.
بالرغم من أن البشر هم اكثر الحيوانات قوة في العالم، إلا أنه من المنصف القول أيضاً أننا أكثرها غباءً.
هذا هو الامر الذي يستغرق تفكيري عندما اكتب، وهو احد الاسباب التي جعلتني اختار الاستمرار بالكتابة عن هذه القضايا. مازلت مستمرة في محاولة العثور على اجابات لكل هذه الاسئلة. كيف امكننا ان نكون اذكياء جدا وأغبياء بنفس الوقت؟ ليس لدي الجواب. ولكني اعتقد ان هذه الاسئلة هي سبب اعجابنا بالروايات. انها تعكس شيئا من الاهمية، شيء بشري. اتصور ايا كان ما اكتبه فأن فيه شيئا ما غير المتعة والمرح، والا لن انجذب للمشروع. احتاج لتوفر ارضية لشيء يحمل الاهمية.