حسين الهنداوي
ظل اسم الكاتب والفنان المسرحي الراحل إبراهيم الهنداوي يمتلك مكانة حميمة وعالية منذ اكتشافي له لأول مرة في منتصف الستينات وكنت حينها طالبا في ثانوية الشعب بالكاظمية. فرائد المسرح الاذاعي العراقي هذا، المولود في قضاء الهندية عام 1925 والمتوفي في 8/12/2008 ببغداد عن عمر يناهز الثالثة والثمانين اثر ازمة قلبية.
كان ايضا أحد أهم مؤسسي العمل التلفزيوني والسينمائي في بلاده. كما ان برنامجه الاذاعي الرائع والمبتكر والشهير «من حياتي» الذي كان من اعداده وتقديمه وإخراج الفنان الكبير شكري العقيدي، كان آنئذ قد نال شهرة واسعة في العراق ودول عربية مجاورة لتفاعله مع هموم الاسرة التقليدية وظروفها المعيشية والاجتماعية ومعاناة افرادها من القيم والعادات والتشريعات البالية مما جعل كثيرا من المستمعين ينتظرونه ويتابعونه بشغف ما سمح له بالاستمرار سنينا عدة، في تلك الفترة من هيمنة العصر الاذاعي، وكان البرنامج عبارة عن قصص حقيقية يرسلها المستمعون ويقوم الفنان الهنداوي بإعدادها على شكل تمثيلية إذاعية أسبوعية (راديو الواقع) تبث من إذاعة بغداد ظهراً.
لكن الفنان الراحل عمل ايضا في التأليف والتمثيل على مدى نصف قرن من الزمن فابدع في إحياء او تجسيد ادوار عدة شخصيات بغدادية ابرزها ابو القاسم الطنبوري وجحا البغدادي وابو القوان. وكان الفنان، واسمه الكامل ابراهيم علي صادق الهنداوي، قد أكمل الاعدادية والدورة التربوية في الهندية حيث تفتحت مواهبه عبر مشاركته في العديد من المسرحيات فيها، قبل ان ينتقل إلى بغداد لاكمال دراسته الجامعية والفنية، اشتغل بعدها في التعليم استاذا في المدرسة الشرقية في الحلة ثم في ثانوية الكاظمية ببغداد. كما كتب الفنان الراحل عشرات المسلسلات والتمثيليات والبرامج ومثّل في عشرات المسرحيات الاذاعية اشهرها برنامج «من حياتي» الذي دام تسع سنوات وقدم منه 497 حلقة من اعداده وتمثيله، وبرامج ومسلسلات اجتماعية وتاريخية ابرزها مسلسلات (ابو القاسم الطنبوري)، و(مذكرات دينار)، و (فجر الاسلام)، و (جحا البغدادي)، واعمال اخرى مثل (شعراء العرب)، و(خالد بن الوليد) و(شموس عربية) وغيرها. وفي العمل التلفزيوني كتب وشارك في تمثيل عدد من المسلسلات التلفزيونبة منها (ابو القوان)، و(ابو القاسم الطنبوري) وبرنامج ( من حياة المشاهدين)، و(ام علي) اضافة إلى التمثيل في مسلسل (تحت موس الحلاق). (ابو البلاوي) و(بغداديات) و(قهوة عزاوي) ومسلسل (مدينة القواعد) مع الفنان جعفر السعدي.
وفي مجال السينما شارك ابراهيم الهنداوي في عدة افلام سينمائية منها فيلم ( من المسؤول؟) في 1956 بالاشتراك مع ناهده الرماح وسامي عبد الحميد وكاظم مبارك ومن اخراج عبد الجبار ولي، وفيلم (نعيمة) في 1958 بالاشتراك مع خولة عبد الرحمن وسلمان الجوهر وتوفيق لازم واخراج عبد الجبار ولي، وفيلم (الجابي) في 1963 بالاشتراك مع اسعد عبد الرزاق وكامل القيسي وخليل الرفاعي وقاسم الملاك ويعقوب الامين ومن اخراج جعفر علي، وفيلم (العاشق) في 1980 باشتراك جواد الشكرجي وغازي الكناني وراسم الجميلي وسعدية الزيدي واخراج محمد الفنري.
وفي المسرح شارك ابراهيم الهنداوي في مسرحية (يريد يعيش) في 1952 مع عبد الجبار عباس ونجم عبد الله واخراج جعفر السعدي، ومسرحية (كلنا بشر) في 1956من اخراج مهند الانصاري، و(كهوة طرب) في 1956 من اخراج مهند الانصاري ، ومسرحية (ابو البيت) عام 1963 مع خليل الرفاعي وفوزية عارف واخراج عبد الجبار ولي. كما كتب للصحافة عدداً كبيراً من المقالات الفنية. وتذكر فنانة المسرح العراقية الشهيرة ناهدة الرماح ان الهنداوي هو اول من اكتشفها واقنعها بخوض غمار فن التمثيل حيث تقول في حديث لها «تزوجتُ ولم أتجاوز الخامسة عشرة. وفي إحدى المرات مرضت فاصطحبتني امي واخي إلى الطبيب وهناك التقيت صدفة بالفنان إبراهيم الهنداوي الذي راح يحدثني عن شركة الافلام التي أسسها عبد الجبار ولي العائد لتوه من امريكا وبأن الشركة بحاجة إلى وجوه جديدة من بنات العوائل الكريمة للقيام بالتمثيل. وفجأة سألني: «ناهدة هل تحبين أن تمثلي في السينما؟»، ووقتها لم تسعني الدنيا من الفرح وأجبته على الفور وبدون تردد بأني موافقة. وأخذت موافقة اهلي وزوجي وبعد اختبار قصير تم اختياري للدور الاول في الفلم العراقي (من المسؤول) عام 1957.»
وظل الهنداوي مثابرا على العمل الفني الشاق منذ شبابه إلى عام 1990 حين توقفت مسيرته الفنية بسبب تعرضه إلى ذبحة صدرية ابعدته عن الفن، وإن ظل في تواصل معه من خلال المسلسلات الاذاعية، قبل ان يتخلى تماما عن الظهور طوال اكثر من خمسة عشر عاما، وتعززت ريادته للمسرح الاذاعي العراقي بتأثيره على اجيال من الفنانين في هذا المجال لا سيما عبر برنامجه الناجح وذائع الصيت (من حياتي) ومنه اخذ الكاتب صباح عطوان فكرة برنامجه (حذار من اليأس) وكذلك الفنان بدري حسون فريد لبرنامجه (من الحياة).
وكان الهنداوي الذي ساهم في تأسيس الفن الاذاعي العراقي والعربي بكتابة وتقديم اول تمثيلية تلفزيونية له بعنوان (يريد يعيش)، وكانت من اخراج كاميران حسني، توج حياته الفنية في اواسط الثمانيات بتقديم اخر اعماله وهو (مدينة القواعد)، لكنه ظل يعتز بشكل خاص بالمسلسل الاذاعي (عمر بن عبد العزيز) الذي حاز على الجائزة الاولى في مسابقة اذاعية.
ورغم مرور سنوات على وفاته لا يزال اسم الفنان ابراهيم الهنداوي حاضرا كأحد اهم رجالات الحركة الفنية الاولى في العراق، واحد الاوائل الذين وضعوا اللبنة الاولى لواقع الحركة المسرحية العراقية من خلال المسرحيات التي ألفها عبر انتمائه لقسم النشاط المدرسي في وزارة التربية، حيث كان معلم نشاط مدرسي، وقدم العديد من المسلسلات والتمثيليات والسهرات التلفزيونية والاذاعية، بالاضافة إلى كونه ممثلا شعبيا مرموقا، وقد مثل شخصية رئيسية في مسلسل (كهوة عزاوي) الذي كتبه الراحل خليل الرفاعي في السبعينيات وشارك فيه الفنانون محمود القطان وجميل الخاصكي، ومن اشهر الاعمال التي ارتبطت بإسمه البرنامج الشهير اليومي (من حياتي) حيث كانت الناس تكتب قصصها له وهو يعمل عليها، ومن الاعمال التلفزيونية التي يتذكرها له جمهور الوسط الفني برنامجه (شاهد عيان) الذي تواصل معه منذ السبعينيات إلى منتصف الثمانيات. لكن الدور الابداعي لابراهيم الهنداوي لم يقتصر على انه كان ممثلا ومؤلفا مؤثرا بل تعداه إلى المساهمة في خدمة الناس عبر اسعادهم من خلال اعماله الفنية وكتاباته التي فرضته فنانا شعبيا مميزا ومرحا وقد احبه الناس كثيرا لاجادته الادوار التي تميز بها، وترك بصمة عليها مكتفيا من كل ذلك بحياة شعبية بسيطة.