حسين علاوي
منذ الثورة الإسلامية عام 1979 عادت إيران لتفرض حضوراً فكرياً يتجاوز ما هو سائد من أفكار بل أسَّست لفكر إسلامي عام، وبدأت التفکير في حلول إشکالية الدين والدولة على الاخص، والدين والحرية والعدالة في الأعم. لقد کانت هناك التجربة الشعبية الزاخرة التي سبقت الثورة ومهَّدت لها ثم حمت قيامها وواکبت تحولها الى دولة ونظام. وکانت هناك من جهة ثانية تجربة تنظيم الدولة والسلطة ومؤسساتهما، وتلك التوفيقيَّة بين التاريخ والفقه والعصر التي ميَّزت الدستور، کانت هناك من جهة ثالثة اجتهادات الفقهاء والمفكّرين الحاضرين في الساحة الاجتماعيَّة والسياسيَّة، والتي ارتبطت بالثورة والدولة، سعيا لتلاؤم أکبر مع العصر، والجهة الأخيرة موضع عناية سنتوقف عندها في هذه الورقة، وفي أوراق أخرى.
بشكل عام لقد أثرت الثورة الاسلامية على حركة الفكر الإسلامي وساعدت على ظاهرة توضيح وترسيم الحدود بين التيارات الفكرية، وأوضحت الكثير من النظريات والافكار المبهمة بل المشوَّشة للمفكرين الاسلاميين في إيران ودعتهم الى اتخاذ مواقف فكرية واضحة وغير فضفاضة، بحيث تشكَّلت شيئاً فشيئاً مجموعة من النظم الفكرية ذات الحدود الواضحة وهذه الظاهرة مرهونة في وجودها لأمرين: (الاختبار والامتحان في عالم الواقع والتطبيق العملي، والمنافسة في ساحة المجتمع).
فالنظريات التي كانت تكتفي ببيان الاصول الكلية العامة، خاصة في الفقه، صارت مضطرة تحت وطأة التطبيق الاجتماعي لمواجهة مقتضيات الواقع والحاجات العملية، ومنافسة النظريات الأخرى المطروحة لتلبية تلك الحاجات. وبذلك صار أصحاب هذه النظريات مضطرين لاستبدال الحديث عن الكليات والعموميات بالحديث عن المصاديق والحالات الجزئية، بغرض توضيح ما يميِّز نظرياتهم ورؤاهم عن غيرها من النظريات المنافسة.
وتوجد في الساحة الإيرانية ثلاثة تيارات عامة، هي: التيار التقليدي السلفي، والتيار العلماني المتجسِّد في الشوفينية والعلمانية الفارسية القومية أو العلمانية المتجسِّدة في الفكر الغربي والتيار المعاصر الذي ظهر في ساحة التجربة العملية مع المدرسة الفكرية للإمام الخميني. والآن التيار الليبرالي الديني والعلماني ولكلِّ من هذه التيارات أنصارها وممثلوها ولها حضورها الحي والفاعل في الساحة الفكرية في إيران، فالتيار الأوَّل يمتد حضوره الى قرون، أما التيار الثاني فقد بلغ ذروته منذ بداية القرن العشرين، والصراع الظاهر والخفي من بداية القرن العشرين كان بين هذين التيارين عموما، أما التيار الثالث فقد بدأ يتشكَّل مع بداية القرن العشرين أيضا، خصوصا بعد الثورة الدستورية التي شهدت مرحلة من تجديد الافكار، وقد مر بمحطات: بواكير العصرنة وتبدأ مع الثورة الدستورية 1906 والمرحلة التوفيقية من الخمسينيات الى 1979 والمرحلة التجديدية او ما بعد التجربة العملية، في العقود الثلاثة الأخيرة.
ويعتقد التيار المعاصر أنَّ الدين لا يشمل فقط جانب الأحكام والحقوق والواجبات بل هو عقيدة توضِّح القيم العالية، التي يمكن من خلال الدين الوصول الى معرفة حقيقة الإنسان والمجتمع، لأنَّ الإسلام وبصفته الشموليّة لا يرتكز على جزء معين من الحياة والإنسانيّة بل يؤكد النظرة العامة التي تسع كلَّ مجالات الحياة.
بالإضافة الى وصف الدين الإسلامي بأنَّه دين شمولي ومنظم وأنَّ الدين يجب أن يكون متناسباً مع ظروف المجتمع الزمانيّة والمكانيّة ويُطبَق على المجتمع على أساس المنطق والواقع العملي، بحيث لا يؤثر تطبيقه أولا على ثبات وشمولية الدين وثانيا على حركة ومسار نمو المجتمع.
ومن هذا المنطلق يرى المعاصرون الإسلاميون طريقة الاجتهاد في الدين ظاهرة تُضفي تكاملاً على الدين وباب الاجتهاد باب لفهم نظام المعارف الدينيّة في الشؤون الأساسية للحياة.
ويتطرّق التيار المعاصر إلى بيان نتاج العقل الإنساني وحصيلته، في هذا المجال يرى أنَّ للعقل الإنساني نتاجات يتميَّز كلُّ واحد عن الآخر، وله (أي العقل) ولها (النتاجات) مكانة خاصة في تفكيرهم الديني الذي بدأ بالعقل العملي والعقل النظري والعقل الاستكشافي والعقل الآلي حيث يرى هذا التيار أنَّ كلاً من العقل العملي والنظري يُظهر ويُبيّن الأحكام، لأنَّهم يعدّون كلا من العقل العملي والنظري (حجَّة باطنيّة) وهي أهم طريقة ووسيلة توصل الإنسان إلى المعرفة والهداية وساحة الوحي والانبياء.
ومنذ دخول الإسلام الى ايران، وحتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تفاعل العاملان، الدينيّ والقومي وأنتجا الفكر الإسلامي الإيراني، ثم هبَّت رياح العصر الحديث على إيران، فبدأ الإسلام الإيراني يتفاعل مع الفكر السياسي والفلسفي الغربي، جتى انتهى هذا التفاعل الثلاثي، الديني القومي الحداثوي، بكلّ ما في هذه المفردات الثلاثة من دلالات. جَمَعَ هذا العنوان الذي اتَّخذه الإيرانيون لدولتهم، وبمباركةٍ من قائد الثورة الإمام الخميني، العناصر الثلاثة التي تكوّن الحضارة التي بلغها المجتمع الإيراني واختارها كإطار يعيش فيه بعد الثورة وهي: الفكر الغربي الذي تمثله «جمهورية»، والفكر القومي المنعكس في المُضاف اليها «إيران»، والفكر الديني المتمثِّل في «الإسلاميَّة». والحقَّ أنَّ أي دراسة لإيران المعاصرة تبقى عرجاء إن لم تأخذ في الاعتبار هذه العناصر الثلاثة التي تنعكس بدقة وواقعية في الاسم الرسمي لبلاد فارس في الوقت الحاضر، وهو «جمهورية إيران الإسلاميَّة».
وإنَّ تطوّر الفكر الديني في إيران، والتيارات التي برزت فيه منذ العصر القاجاري في القرن التاسع عشر حتى نهاية القرن العشرين، يبين مشهد التنافس والتعاون المباشر وغير المباشر بين الأفكار والتيارات ذات التوجهات الدينية والقومية والغربية التي آل بها الأمر إلى جمهورية إسلامية. وقد كان هذا التطوُّر المتفاعل يتخذ أوجهاً مختلفة يمكن تلخيصها بالتقليدية والسلفية والتجديدية والتنظيرية والتغييرية والمحافظة والاصلاحية. فأي واحدٍ من هذه التيارات مع ما تحمله من أفكار، بغضِّ النظر عن الفئة التي تحمل رايتها، يقع بنسبٍ مختلفة تحث المؤثرات الدينية والقومية والحداثوية مجتمعةً. وإن محاولة التوفيق أحياناً، وازدواجية الانتماء والهوية أحياناً اخرى وهي قضية إيران الكبرى منذ بداية القرن والثورة. فالغالبية العظمى من التيارات الفكرية الأساسية المعاصرة في إيران كانت ولا تزال تتفق في الأخذ بهذه العناصر الثلاثة لبلورة ايديولوجيتها، ولكنَّها تختلف في ما بينها في مدى تقديم واحد من هذه العناصر على الآخر، وفي مقدار الأخذ من كلٍّ منها، أمثلة مؤثرة وفاعلة لهذه التيارات الفكرية الإسلامية.
ومن اللافت أنَّ هذه المكونات الثلاثة تتمثَّل في الثورات الثلاث التي شهدتها إيران في القرن العشرين، التي كانت في ثلاثتها موجَّهة ضدَّ الشاه الحاكم! بل كان هذا هو الوجه المشترك لكلّ قيام شعبي معاصر في إيران وأن هذه التيارات، وبعيداً عن تنافسها الداخلي، كانت متفقةً على معارضة السلطة الداخلية القائمة.. وهذا قد يعني أنَّ الحركات الشعبية الإيرانية في ثوراتها الثلاث المعاصرة كانت في وجهها الخارجي ثورات جمهورية وإيرانية وإسلامية بالتسلسل، وذلك في ثلاث مراحل ثورية متتالية على مدى قرن واحد وكان الشعار المشترك في ما بينها هو: المطالبة بالحرية والاستقلال ورفض التبعية والاستبداد وبعدَها بدأَ التفاعل مع العصر الحديث بين إيران والغرب. واذا أردنا استعراض تصوّرنا لتطوُّر الفكر الإسلامي في مشهد تاريخ إيران الحديث، طبقاً لما قدّمه عدد من المفكرين الإيرانيين، يمكن تلخيص ذلك بالقول: إن الثورة الدستورية في بداية القرن العشرين كانت ثورةً «جمهورية» بطبيعتها تجمع الخصائص الاساسية لمفهوم الجمهورية الغربية. بغضِّ النظر عن بعض التفاصيل الهامشية، وثورة مصدق في الخمسينيات كانت «قومية» بدعواتها التي كانت تعطي الأولوية لإيران على ما سواه، وثورة الامام الخميني في نهايات القرن كانت «إسلامية» في منطلقاتها، مع ما أوجدته من تجديد في الشكل والمضمون. والوجه الخارجي لجميع هذه الثورات كان «الشعبية» الى أبعد الحدود، وهذه ظاهرة مميَّزة للثورات التي قامت في إيران على مدى تاريخه، منذ ما قبل الإسلام وحتى العصر الحديث!
والفكر المعاصر في إيران يدور دائماً في فلك المنطلقات الايديولوجية التي قامت عليها العديد من الثورات، والتي كانت تأخذ شكل النهضة الشعبية عندما كانت تتحوّل إلى صراع بين الحرية والاستبداد والإصلاح والانغلاق والسلفية والمعاصرة. وإنّ هذه المنطلقات الثلاثة مجتمعةً هي الطابع العام لجميع الثورات الأساسية والنهضات الشعبية في تاريخ إيران القديم والحديث، وفي هذا قد يكمن سر استقلال إيران على مدى التاريخ.. رغم من كل العوامل التي طالما هدَّدت استقلاله السياسي واستقلاليته القومية. وبعبارةٍ أخرى، فإن عنصر «الشعب»، الذي طالما قاد الحركات التغييرية والتصحيحية في إيران، كان يؤدي إلى التغيير والاصلاح من الداخل، بدل أن يُفرض عليه من الخارج.
وفي الأعداد القادمة سنستعرض النظريات الفكرية لعدد من المفكرين والفلاسفة الإيرانيين الذين عارضوا وانتقدوا الفكر السائد وطوّروا الفكر الإسلامي المعاصر وغيره في إيران.
المصادر:
(1) انظر: الفكر الإسلامي وآفاقه في إيران/ محمد رضا وصفي.
(2) الوحدة وتحديات التنوع، عدد من الباحثين.