مستقبل خطاب العنف الثقافي

ناجح المعموري

عودة أخرى وسريعة للتأكيد على الدور الجوهري الذي يؤديه التخيّل في حياة الشعوب والجماعات وهذا أمر مهم، أنا أول من أشار له في احتفالية لاتحاد الأدباء بمناسبة تحرير الفلوجة، وأكّدت دور التخييل مرّة ثانية في دبي بمحاضرة قدّمتها مساء الثلاثاء 7/9/2016 ، وأثارت ردّ فعل ايجابي، مثلما حصل لها في بغداد هذا يعني خطورة التخييل الذي يُفضي لإنتاج ثقافة مع رموزها الممثلة للأفراد والجماعات.
بمعنى مواجهة داعش بالمخيال، لأنّها استطاعت انتاج تخيّلات متنوّعة. لأنّها ـ داعش ـ عبارة عن مجتمعات وأقوام ولكلّ منها مخياله الخاص، والشواهد كثيرة على ذلك، والأقرب لنا المصوّرات والأفلام وأخطر تخيّلات داعش ما حصل للطيار الأردني، فيلم توفّر على عناصر فنيّة عدة، عالية التنفيذ.
سيوفر لنا التخييل بما ينطوي عليه من تنوّع مهارات، وخبرات، قدرات ذات تأثير فاعل في ترميم البناء الاجتماعي وصدّ مكامن داعش الثقافية والدينية التي ستظلّ قائمة وحاضرة لفترات طويلة واذا تمكنت مراكز البحوث والدراسات، ومساهمات الأدباء والمثقفين والفنانين وشعراء العامية والغناء من إدراك ووعي البرامج الخاصة بالرمزيات المتخيّلة، ستتمكّن الجماعات المدركة لخطورة دورها وفعاليتها من البدء بما يسمّى بالأمن الثقافي الذي احتلَّ دوراً بارزاً في النظم المحكومة ايدولوجياً والنماذج الدالّة عليه مصر/ سوريا/ العراق/ ليبيا. لكن العراق تراجع أمنه الثقافي كثيراً بعد الحرب العراقية ـ الإيرانية وانشغل بالأمن الايديولوجي الذي لم يستطع الصمود وحماية العراق في أول هجمة عليه وليبيا كذلك، لكن نجد تجربة ناجحة في مصر، تمكّن فيها الأمن الثقافي من دعم وبلورة دور كبير للقوى الناعمة وزاد من فعاليات القوى الاجتماعية المتنوّعة باهتماماتها وتخصصاتها الإنسانية والتطبيقية، لذا نجح الأمن الاجتماعي والثقافي والسياسي بتقديم أنموذج رفيع في الثقافة العربية المعاصرة. واهتمّت النظريات الانثربولوجية/ والاجتماعية/ والثقافية/ والسياسية بالأدوار التي يؤديها نظرا لإمكاناته الهائلة، إذا تم وعي ومعرفة ما يفضي إليه حاضراً ومستقبلاً.
كما لا بدَّ من الإشارة لما تنطوي عليه الشفاهيات بوصفها ذاكرة حيّة، ثابتة، مستقرة، حصل لها اختبار عبر زمن طويل ولعبت أدواراً في التأهيل الاجتماعي والثقافي. ولا تستطيع الجماعات الحياة بعيداً عن ذاكراتها الشفاهيّة … لأنّ عتبات الحضارة العراقية المبكرة شفاهيّة وظلّت هكذا لمئات السنوات، حتى اللحظة التي تمّ اختراع الكتابة فيها. أضفى هذا العمق التاريخي حيوية وتنوّعاً مجاليّاً على مخزونات الذاكرة التي هي المرآة الصادقة، والحقيقية للجماعات والقبائل. من هنا سجلت مراحل تاريخيّة معينة ما يشبه الصحوة للزمن الحاضر. بعودة الى الذاكرة واستثمارها بروح حديثة وعصرية، حافظت على الماضي بروحه الشفافة والشعرية. واعتقد بأنّ الشفاهيّة هي الوسيط الثقافي الحيوي إذا تمّ توظيفه بآليات حداثيّة لإنتاج ثقافة خاصة للأطفال، لأنّه أكثر قرباً لهم ولعوامل ذات علاقة بالمجال التربوي والاجتماعي وما تثيره من دهشة وتحفيز بسبب اللامعقول والغرائبي.

*********************
ذكرتُ قبلاً ملاحظة عابرة عن المقدّس، وما يستدعيه من عنف ودمويات، ولأنّني على ثقة تامّة حول ذلك، وأكدت عليه دراسات انثربولوجية/ واجتماعية، وما قدمته تجارب عربية وعالمية كان الدين حاضرها الثقافي، لذا أدعو الى تدريس التربية الدينيّة، وليست الإسلاميّة. ولذلك عديد من الوظائف أهمّها إشعار الآخر بأنّه حاضرٌ مع الإسلام، ويتمتع بمكانة ثقافية قادرة على تنويع الحياة وتطويرها والتعاون من أجل سيادة الاختلاف، بحيث تتأهّل الأجيال الجديدة على تنوّعات الحضور والقبول بالحوار والتجاور مع المختلف والتحاور وإيّاه.
إنّ سيادة دين واحد وإقصاء للديانات الأخرى، ينطوي على إخصاء ثقافي، يستولد العنف والكراهية. وعلى سبيل المثال الشائع في الوسط الثقافي وجود ثلاث ديانات توحيديّة هي، اليهوديّة/ المسيحية/ الإسلام، لكن الحقائق التاريخية تؤكّد وجود ديانات توحيديّة أخرى مثل الزرادشتية والمندائية والمانوية والايزيدية، لوجود أنبياء لها مع رسائل دينيّة مقدّسة، هي كتاب يمثلها، والغريب أنّ هذه الديانات تعرّضت للقمع والإبادة والإلغاء في الدول التي تسيّد فيها الإسلام.
لو توفّرت فرص التعريف بالديانات حتى الوثنيّة، سيكون الفرد أكثر وعياً ومعرفة بكلّ الذي حصل في التاريخ الإنساني، وسيتعرّف على الأسباب التي جعلت الكثير من القصص والأساطير الوثنية والدينية التاريخية أن ترتحل في نصوص القرآن الكريم، كلما تنوّعت الثقافة، حتى المضادة، تتسع فرص التعلّم والتعرّف وسيتربى الأفراد بوقت مبكر على فضاء التنوع وستقلّ فرص التناحر ومزاولة العنف. وترصين الهويات وتعزيز عناصرها المركزية، وتشجيع المكوّنات المجتمعية على إيلاء اهتمام جيد بالقرابات المتخيّلة التي تنشأ بين الجماعات المتجاورة والرضا بتجاور ثقافة الواحد مع الآخر وتغذيتها بوافد جديد مفلتر عبر الخبرة واستمرارية التبادل والتواصل.