مدينة نيبور ما بين المخترع توماس أديسون والسلطان عبد الحميد وفساد بعثات التنقيب
عبد السلام صبحي طه
تأسس متحف جامعة بنسلفانيا لعلوم الآثار والإنسان في العام 1887، وكانت خطط المؤسسين آنذاك تتجه إلى اتباع ذات النهج الذي تبناه القائمون على المتحفين البريطاني واللوفر، وذلك بتعبئة صالات المتحف بكنوز العاديات القادمة من الشرق الأدنى القديم (العراق والشام ومصر)، عن طريق تمويل المغامرين من رحالة وقناصل وبعثات حفريات، وقد تحقق لهم ذلك في العراق في مواقع عدة منها «أور في الناصرية»، «تبة غورا في الموصل»، «خفاجي في ديالى»، و «نيبور» التي تقع ضمن قضاء عفك بمسافة 25 كم شمال شرق مدينة الديوانية في محافظة القادسية، وهو ما سيتناوله المقال بشيء من التفصيل.
ولأهمية هذا الموقع نجد لزاماً علينا التعريف به من حيث تأصيل للتسمية، فالاسم «نيبور» أو «نيبوري» باللغة الأكدية من الأصل السومري «نيبرُ» وبالعربية هو «نفّر»، وربما من معانيه (المعبر إلى السماء حيث وردت بالصيغة أي أيبورو آن E- Eb bu ru- An) كما وردت بهذا المعنى في الأينوما ايليش (قصة الخلق البابلية)، كانت المدينة مكرسة لآله الهواء والفضاء آنليل ( وردت بالاسم آن .ليل. كي)، ولقبها الآخر كان ( دور.آن .كي ويعني حصن السماء والأرض) ولفظة (كي KI-) ربما هي الأصل في اللفظة العراقية المتداولة للأرض ( كاع )، ومنها كان معراج الآله آنليل في موعد محدد سنويا من مقره في زقورة ( ألآي كور اي حصن الجبل ) لايصال أدعية أهل البلاد الى أبيه الآله ( آنو ) في السماء، كانت نيبور بكة العراقيين القدماء، وإليها كان يحج ملوك البلاد وهم حفاة تضرعاً وخشوعاً، ولم يحكمها احد منهم على مر تاريخها الطويل.
كشفت التنقيبات التي أُجريت فيها آنذاك عن ما مجموعه عشرين طبقة تاريخية واستيطان مستمر منذ فجر التاريخ وقد عُدت المركز الثقافي والديني الأقدس في العراق القديم، وهو أحد أهم أسباب اهتمام الباحثين بها
في العام 1888 زارالقس والباحث التوراتي الأميركي «د. جون بونيت بيترز» مدينة القسطنطينية (اسطنبول)، ممثلاً عن جامعة بنسلفانيا للحصول على تصريح لإجراء حفريات في الموقع القديم لمدينة نيبور فيما كان يعرف آنذاك ببِلاد ما بين النهرين ( وربما الأصح القول بِلادُ النهرين والتي تشمل العراق التاريخي قبل تقطيعه)، كانت خطته تتلخص بالتنقيب عن التاريخ التوراتي في باطن العراق القديم، وهو المشروع الذي نجح في تسويقه إلى جامعة بنسلفانيا بعد أن أعيته الحيلة لاستحصال الدعم المالي، سافر بيترز إلى القسطنطينية في أيلول من العام 1888 ، وقد عانى الأمرّين لاستحصال موافقات الباب العالي للموافقة على سفره الى بلاد النهرين لغرض إجراء الحفريات قُبيل نهاية العام ذاته، كانت الصعوبة الرئيسة تتمثل في عدم رغبة العثمانيين في السماح بالحفر ومن ثم شحن اللقى إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
تحدث بيترز مِراراً إلى المسؤول العام عن الآثار آنذاك «عثمان حمدي بيك»، ومن ثم الى الصدر الأعظم، حتى بلغ السلطان عبد الحميد الثاني، ولم تحرز جهوده أي نجاح فأصيب بيأس جراء ذلك، لكنه وقبيل سفره المرتقب إلى بلاد النهرين، قرر اجراء محاولة التفاف على الأمر، ففي تشرين الثاني من العام 1888 كتب بيترز إلى الجامعة :
«يبدو أن السلطان راغب بالحصول على واحدة من الفونوغرافات الجديدة التي طورها أديسون، وسيكون من الحكمة اقتناء واحدة وتسليمها إليه».
قام عميد جامعة بنسلفانيا ومؤسس متحفها «د. ويليم بيبر الابن» إثر ذلك بمفاتحة توماس اديسون مخترع الفونوغراف الشهير عِبر «بروفسر جورج باركر» عالم الفيزياء في الجامعة واحد داعمي مشاريع اديسون، عبّر اديسون بحسب الوثيقة المرفقة عن استعداده ارسال أحد أفضل أجهزة الفونوغراف التي بحوزته الى السلطان العثماني، ويبدو من خلال متابعة المراسلات التي تمت مع سفارة الولايات المتحدة الاميركية في القسطنطينية، إن السفير الاميركي آنذاك ( اوسكار س. شتراوس ) قد نصح السيد بيترز بالتريث في الموضوع لان التبرع بالجهاز في ذلك التوقيت قد لا يخدم غرضه، وربما سيكون من الأفضل الاحتفاظ به لفرصة أخرى.
في العام 1889 تم استحصال موافقة الباب العالي على اجراء الحفريات في نيبور، ولا احد يعلم ما اذا كان السفير شتراوس قد نجح في استحصال موافقة السلطان مقابل اهدائه الجهاز أم لا .
أشتغل د. بيترز في نيبور ما بين 1889 الى 1895 واصدر مؤلفاً مهماً عن حفرياته في جزئين بعنوان ( نيبور، اكتشافات ومغامرات على الفرات- 1897)، واستمرت حفريات الجامعة حتى العام 1900 ومن بعدها تشاركت الجامعة مع جامعة شيكاغو بالتنقيب حتى تسليم الحقوق كاملة الى المتحف الشرقي في شيكاغو في العام 1949.
عادت تلك الموافقة بمردود علمي هائل لاحقاً، فقد ضمت المكتشفات أرشيفا غنيا من نصوص علمية فلكية ورياضية وتقاويم زراعية وتراتيل دينية وقصائد شعرية ونصوصا مدرسية للتلاميذ، قُدِر حجم الارشيف المكتشف بثلاثة وعشرين ألف رقيم، ومن بينها رقيمان كبيرا الحجم نسبياً يمثلان فهرساً متصلاً لما عُثِر عليه في مكتبة المعبد، وهو دالة على اهتمام العراقيين القدماء بالأرشفة والمكتبات.
لكن قصتنا لا تنتهي عند هذا الحد، فقد حدثت واقعة أخرى مرتبطة بهذا الموقع دار حولها لغط كثير، من جهة محاولة رئيس بعثة التنقيب في نيبور, الالماني «هيرمن هيلبرشت» والذي خلف بيترز رشاه عثمان حمدي بيك المسؤول عن آثار الدولة العثمانية بمنحه شهادة فخرية من جامعة بينسلفانيا وكذلك شراء لوحتين من لوحاته التشكيلية وبسعر مرتفع (احداها لوحة رسمة مكتبة المعبد في نيبور بريشة عثمان حمدي بيك)، لكي يغض النظر عما يجري من سرقات في الموقع التنقيبي وما يتم تهريبه الى الجامعة، وبذات الوقت قام هيلبرشت بالسطو على حقوق الاكتشافات لزميله في البعثة جون هنري هاينس وادعى باحقيتها، هذه الوقائع أدت بالنهاية الى اتهام هيلبرشت بسوء التصرف والمحسوبية واجبرته على الاستقالة من الجامعة في 1910 وهو ذات العام الذي شهد وفاة كل من عثمان حمدي بيك وهنري هاينس والتي قد نصنفها من باب لعنة من الاله آنليل حلت عليهم جميعاً لعبثهم بمدينته المقدسة.