من أجل دولة لا للسياسة فقط

حسين علاوي

كانت الثقافة ومازالت هي البعد الأساسي من أبعاد التنمية، وهي عنصر بناء ووعي وتأكيد للهوية، ومصدر إبداع وازدهار.. وتنمية للعطاء الحضاري محلياً وإنسانياً، والثقافة هي الرافد الأساسي لاصلاحات الدولة، إذ يدخل في تشكيل الثقافة عامل الإرادة الشخصية والخلق وهي وسيلة فعالة لتغيير الواقع المتخلف والمتشنج فالصراع الثقافي دائما هو صراع بين أوضاع اجتماعية متناقضة، جمود ونهوض، رتابة وانطلاقة، مراوحة وفاعلية، وان حياتنا الاجتماعية والعملية والفكرية لا يمكن ان تنتهي مشاكلها، وتحد من تأثير العقليات المتخلفة والاقصائية، من دون ثقافة جديدة للدولة.

وان شروط النهوض بالمجتمع، هي وضع منهجية واضحة من قبل الدولة ودعم لكل مفردات الثقافة، وان مكان الدولة لا تستمد حضورها من جغرافيتها او عدد سكانها، من كل ما لهذين العاملين من اثر كبير، فالحضور الداخلي والخارجي لايجاد الدولة، يستمد من نتاجها الثقافي الذي هو واجهتها أمام العالم، وكذلك يستمد من إنتاجها الاقتصادي والذي يتوقف عليه ازدهارها العام، بما فيه الثقافي، وقد نحتاج حسب سلم الأولويات الى الانفاق على القوة والأمن ابتداء، وعلى التنمية اقتصادا وعلى العمران بناء، وعلى الزراعة توسعا، وعلى الصناعة تطويرا، وعلى التعليم في كل مراحله انتشارا، وعلى الصحة والدواء والغذاء والرياضة والرعاية الاجتماعية وكلها ضرورية وملحة، ومع كل هذه الضرورة، وهذا الإلحاح، يجب على الدولة إعطاء الثقافة دعما قويا وإنتاجية متنامية ومتسعة.
والثقافة لا تقتصر او تحصر على الأدب والفن مثلما يختزلها البعض، وان كانا هما ملحها وزادها، بل هي مجال الحياة الروحية والفكرية للبشر، وهي تعتبر معيارا لمستوى تطور المجتمعات وقوى الانسان الإبداعية.
يرى الفيلسوف البريطاني (تيري ايغلنون)، ان الثقافة نوع من التربية الأخلاقية تؤهل الانسان للمواطنة السياسية، مقدما بذلك الثقافة على النشاط السياسي، ما يعني ان يكون المرء إنسانا قبل ان يكون مواطنا، (انظر موضوعات نقدية في الماركسية والثقافة، ص23).
وديمقراطية الثقافة هي شرط أساس من شروطها، ويظل الأساس هو تشجيع العملية الإبداعية ودعمها على أوسع نطاق ممكن، وتشجيع عملية الانتفاع والانفتاح، بأفضل الأنشطة الثقافية والأكثر عددا، والمشاركة في اتخاذ القرارات بشأن الحياة العامة لمجتمعنا.
فللثقافة قيم وآفاق إنسانية واسعة ومتفردة، وهي داعمة للسياسة، فالعدل والسلام والمساواة والحرية وحق العلم، والتسامح، والتكافل، واحترام العقل، وكرامة الانسان وغير ذلك من القيم الإنسانية المشتركة بين البشر هي من أساسيات الثقافة قبل ان تكون من أدبيات السياسة، ومن تراثنا الديني والفكري، قبل تشريعات الثورات ودماء البشر التي سالت بفعل عداء الإيديولوجيات لبعضها البعض، فالثقافي والسياسي لكل منهما أدواته الخاصة، وإنتاجه الخاص وتأثيره الخاص، وقد يكون بينهما افتراق والتقاء، افتراق في شكل الوصول الى المثال والنقاء، والتقاء في المثال نفسه، وقد يكونان في مركب وأمواج واحدة، ولهذا فلابد من ان يتعاونا ويصغي بعضهما للآخر، فالثقافة هي نظرة عامة للمجتمع وللوجود والحياة والإنسان، وهي البناء العلوي للمجتمع الذي يتألف من السياسة والدين والفلسفة والفن والأدب والتشريع والقيم العامة السائدة في المجتمع، وهذه كلها من اهتمامات المثقف والسياسي فلا إشكالية بين المثقف والسياسي إنما هناك مسؤولية مشتركة، بالخروج من دائرة التخلف الذي يلف بعض القطاعات في مجتمعنا، والذي ولد أنماطا فكرية بعيدة عنا وعن قيمنا وتأريخنا، وهذا لا يتحقق من دون ثقافة واعية جديدة للدولة، تحل محل الحفر في المقابر القديمة والنزعة الشمولية الاقصائية التي ولدتها ثلاثة عقود من الاضطهاد وتحل محلها ثقافة الراهن المتفتح.. ان النظام الديمقراطي المستقر يتطلب ثقافة متوازنة، تجمع بين كل التوجهات وترفض انتصار طرف لطرف آخر، وهناك اغتراب ثقافي أكثر مما هو سياسي وعلى الدولة ان تلتفت له وتتخذ بعض الاجراءات لأجل انخراط كل فرد في المجتمع، وقد عاش الكثير منا في السبعينات والثمانينات والتسعينات حالة اغتراب لا تطاق، بعد ان حرمت الدولة حقوق الانسان الطبيعية في الانتماء لحركات يسارية وإسلامية او استقلالية في الرأي وبقي الكثير من الطاقات معطلا، ولا نريد ان نكرر هذا الانعزال في ظرفنا الراهن، كما كان لها الكثير من التأثيرات الاجتماعية والنفسية، فخلق منظومة ثقافية جديدة يعني الانفتاح على كل الافكار الواعية والمنتجة، وهذا لا شك يقدم ربحا فكريا ومعنويا للدولة، وآفاقا للتطور والنمو، فضلا عن انه يزيل حواجز الاغتراب الثقافي والتي قد تكون غير مقصودة بسبب أوضاع اجتماعية معقدة.
أما عن دولة الثقافة فإنها لم تجد لنفسها دورا حقيقيا ولم تستطع تحقيق ذاتها حتى الآن، فالثقافة عندنا أصبحت أمية كاملة أمام العلم والمعرفة والفكر، ذلك ان منبع الثقافة الأول، واقصد المدارس الثانوية والكليات السائرة على النهج النظري، مازال بوجه الاجمال بعيدة عن ان يزود الطالب الشاب، بحس موضوعي عن واقعه وعن العلاقة مع الآخر..
فالكثير من حملة البكالوريوس الماجستير في الصحافة عندنا وقد عايشت الكثير منهم، لا يستطيعون كتابة مانشيتاً في صحيفة، او مقدمة لموضوع، أما الاختصاصات والشهادات الأخرى، فحدث ولا حرج، ان الفئة القليلة او الجيل المحدود الذي كان له الدور الريادي في كل شيء رغم حرمانه من التعليم العالي والشهادات، هو جيل السبعينات، والذي تعتمد عليه الكثير من وسائل الإعلام المرئية والمقروءة، ان على مؤسسات الدولة ان تلعب دورا مهما في حث هذا الجيل على القراءة والمطالعة، وبغير ذلك يصبح جيلا يمتلك شهادة ولا يمتلك ثقافة.
ان دولة الثقافة تحتاج منا ان ننهض بكل العلوم الفنون والأدب والأفكار، ونحث أبناءنا على قراءة الكتاب والمجلة والصحيفة سواء ورقية أم إلكترونية.. فلا سلم أهلي بغير ثقافة متعددة متنورة، ولا تنمية بغير تنمية الوعي لدى الناس، ولا وزارة للثقافة إذا لم تكن من الوسط الثقافي.. ان دولة الثقافة يجب ان تكون من أولوياتنا، لأنها الوجه الناصع لبلدنا، ولخزين الإبداع المكبوت والمؤجل في عقولنا لتستعيد بغداد والبصرة ومدننا الأخرى دورها الريادي في الثقافة والفنون وتصدير الوعي والإبداع للشعوب، ولا ادعاء فالعراق كنز كبير للإبداع، ورغم ما نطمح إليه في دولة الثقافة.. أن يكون خلية عمل وإنتاج وإبداع.. وان يكون مهرجانا متصل الحلقات للعروض المسرحية والموسيقية والندوات الفكرية والأمسيات الشعرية والأدبية الأخرى، ومعارض الفن التشكيلي.. وإنّ كل هذا يحتاج الى الإدامة والعناية للتأكيد على ان الثقافة جزء أساس من اهتماماتنا وتطلعاتنا المستقبلية والآنية وليست جزءا مهملاً يعتمد على التمويل الذاتي، بل نطمح ان تكون دولتنا دولة ثقافة، وليس دولة سياسة فقط.