مقداد عبد الرضا
أول الصباح، أول الموت
ابدا اقول طاب الصباح، هذا ماعلمني إياه صديقي المجنى عليه الشاعر يوسف الصائغ، للروائي اسماعيل كاداريه رواية اسمها قصر الاحلام، كنت قد قرأتها في تسعينات القرن الماضي، تذكرتها مرة اخرى وحملتها معي لأكرر قراءتها ( ثلاثة ثعالب بيضاء على مئذنة الولاية)،على بعد امتار ثلاثة تتوقف فجأة سيارة اجرة صفراء فاقع لونها،ارتبك لهذا الوقوف، رحت احدث نفسي، من وضع هذه المساطب هنا وبهذه الطريقة ؟ انتبه الى السائق، وجه مدور، رأس حاسر، ارتبك اكثر، انا اخشى وقوف السيارات بهذه الطريقة، قست المسافة بيني وبينها، ثلاثة امتار لا اكثر، لم تتوقف هذه السيارة بالقرب مني؟ لم انا بالذات؟ هربت الثعالب البيضاء من فوق المئذنة وتاه تركيزي، اتطلع، اكتشف ان الشارع يخلو من السيارات ويخلو حتى من المارة، اسعفتني ذاكرتي، بان اليوم هو السبت، تطلع السائق اليّ، اخرج هاتفه النقال وزول رقما وصار يتحدث، رحت انا في جب عميق، ماذا لو انفجرت هذه السيارة الان؟ هل ستحميني هذه الشجرة رفيقة زمني؟ ام انها ستكون كما البلاد جاحدة هي الاخرى واموت تحتها؟ اردت ان اصرخ، توسلت ان تمر عربة جيش او شرطة واصرخ بما يختلج في نفسي، تعالوا انقذوني، لكن هيهات لا احد يمر، تنسكب دموعي اشعر بحرارتها على وجنتي، اسمع قرقعة عربة وخلفها شاب ملثم يزيد من حيرتي، في داخل عربته صندوق يشبه التابوت، هل اعد هذا الصندوق لي، هل هناك اتفاق بين سيارة الاجرة الصفراء وهذه العربة؟ ولم تلثم هذا الشاب؟ يمرق، يتطلع الي، يجتازني، المح على قفا قميصه الذي يرتديه مكتوب (ميسي )، اهدأ قليلا، اردد ميسي الملثم، كيف سيكون شكل ميسي لو دخل الملعب ملثما؟ هل سيهرب الجمهور ويتهمونه بالارهاب؟ (في رواية زوربا لكزنتزاكي، يدخل احد البحارة الى المقهى ويعلن ان البحر كاد يلتهمه، يسأله احد الجلاس، بماذا كنت تفكر في تلك الحظة، يجيبه ضاحكا، كنت افكر ان اكون مع زوجتي في السرير ) السائق لايزال يتحدث في النقال، طفل يمر يرتدي قبعة، اتذكر اسم هذه القبعة، كنت تعلمته يوم كانت البلاد تعج بالسينمات، كانت تسمى ( تكسن ) تلك القبعة التي كان يرتديها ابطال الكاوبوي الاشداء، طفل هو الاخر يدفع عربة مليئة بقناني الماء، تذكرت ان فمي قد تيبس، اريد ان اشرب الماء قبل ان اموت، كنت ارى دائما كيف تسقى الدجاجة قبل الذبح، الطفل يرتدي قميصا كتب على قفاه، يونسيف، انهمرت دموعي، مر سيرجو دميلو امامي، هل حان وقت ان نلتقي ياسيدي؟ مالذي جئت تفعل في هذه البلاد العصية؟ تمر سيارة نجدة من امامي، تجتاز دون الاهتمام بشكل السيارة المريب، اظنني صرخت، لكنني اكتشفت ان كل من في سيارة النجدة دون آذان، ضاعت صرختي مع قرقعة عربة الطفل، لا اعرف كيف انتصب امامي شاب هو الاخر ملثم يحمل قربة وقد تحزم بنطاق فيه اربعة اقداح، يذهب الى السائق ويسكب له قدحا من العصير، هل يعرفه؟ انتبه الى الشاب يصيح علي، حجي عندك خردة ؟ تطلع رأى انسكاب دمعي، احتار في الامر، خطا بضع خطوات وجلس فوق مسطبة بالقرب مني وهو في حيرة، قلت ماذا لو انفجرت هذه السيارة الان وانتهت حياتي هكذا ببساطة، كيف سيتلقى اهلي واصحابي نبأ موتي؟ كيف سارمم احزانهم؟ من سيخبرهم بموتي ؟ كيف سيكون شكل الحزن ؟ هل سأحلق الى الرب هكذا طائرا خفيفا؟ كيف سأقابله؟ وكيف سيكون شكل وجهي؟ هل سيكون مصطبغا بالدم ماذا يحب الرب؟ هل يحبنا؟ هل اتجرأ واخبره انها ليست قسمة عادلة كل هذا الموت، هل سيغضب لاعتراضي البسيط على مشيئته؟ ربما سيغضب، او حتما سيغضب، سينادي على ملائكته ليحملوني الى الجحيم، ساخبره انه عبث ياسيدي ان نموت بانفجار سيارة تكسي واحترق في حجيم الارض وتحملني ملائكتك الى جحيم السماء، هل يعقل هذا؟ تعود سيارة النجدة من الجانب الاخر، اكتشف انهم يضحكون باستغراق طويل، ميسي الملثم يعود بقرقعة عربته ويجتازني، انتبه الى سيارة تتوقف وتومض، انها السيارة التي تقلني الى العمل، اندفع نحوها بكل قوتي، كنت اود ان انام في الخلف واظل ابكي، لكني خجلت، السيارة تتهادى.. بعد قليل اسمع دوي انفجار واتطلع الى السماء.