حميد المختار
– 1 –
دخل مارتين الباب المفتوح، وجد ممراً طويلاً، جدرانه ملبسة بمخمل خمري وقد هيمن عليه الظلام، ثمة لوحات عملاقة احتلت الجدران وأضفت عليها سوداوية وهبة، سمع ضربات بيانو آتية من بعيد، أنغام عذبة مشوبة بحس مأساوي شفيف، تذكرها جيدا، انها إحدى مقطوعات انريكو خواكيم (توقفت برهة عن القراءة، وركنت الكتاب جانبا، التفت إلى اللابتوب وضغطت على صفحة اليوتيوب باحثا عن المؤلف الموسيقي انريكو خواكيم، اها، وجدته، ثمة مقاطع مطولة من موسيقاه، ربما كان المؤلف يقصدها تحديدا، علا صوت المقطوعة وملأ أجواء الغرفة)، راقبت مارتين وهو يستمع إلى المقطوعة ذاتها متوغلاً في قلب الظلمة بحثا عن المحامي السيد فاليرا، قطع صوته هارموني المعزولة الثرية،،
_سيد فاليرا،،،، أنا مارتين
لم يلق رداً من المحامي الذي يبدو أنه مختبئ في مكان ما من البناية، جازف مارتين في التقدم ببطء نحو منبع تلك الموسيقى الحزينة، ظل يسير بين تلك اللوحات التي حملت من الظلام ما كثف رهاب المكان المغلق، كان الممر مرصعا بنجوم وأقواس متتالية تحجبها ستائر شفافة، وصل الى صالة كبيرة غلفها الظلام هي الأخرى (الموسيقى تغطي جنبات غرفتي وهي تبث من الجهاز، شعرت كما لو أنني مع مارتين اقتحم مخاطر الممرات المظلمة، تهيأ لي أنني أعرف هذه الموسيقى تماما كما تعرف عليها البطل حين سمعها أول مرة وهو يقتحم المكان، ولا أدري كيف تتناسب هذه العذوبة مع الرهبة والخوف والترقب، سمعت نباح كلب بعيد، منتبها إلى ضوء غرفتي الذي كان شحيحا) ظل مارتين ينادي الرجل المختبئ، أنا مارتين، ارجوك، لقد وجدت الباب مفتوحا فدخلت، أنساب صوت الموسيقى الشجية متحَولا إلى أنين شبحي يقود إلى دوامات ومتاهات ليس لها قرار، ربما كان المؤلف يريد من القارئ أن يتمتع بعظمة الموسيقى رغم وجود ذاك التوجس والرعب الذي هيمن على الأجواء، أن صوت الموسيقى سيعلو على صوت الشر المتوغل في الذات الإنسانية، لأن الجمال هو المنقذ حين نقع في براثن هوة القبح المتسعة، هكذا اعتقدت ماكان يفكر به هذا الشاب الذي اقتحم اهوالا متداخلة طيلة الساعات الصعبة الماضية، في الغرفة التي واجهته كان الباب مواربا، ثمة في العمق ضوء شحيح، شاهد السيد فاليرا يجلس خلف مكتبه بلا حراك، كان مطأطئا رأسه وفي حضنه يرقد ملف منتفخ بالأوراق، ربما كان هذا ما يبحث عنه، لم تنقطع الموسيقى التي صارت تعلو شيئا فشيئا كلما تقدم إلى عرين الموت الماثل أمامه، حرك جسد الرجل المتحجر فلم يتحرك، أيقن انه جثة هامدة، امسك بالملف وقلب أوراقه البالية، سمع صوت نباح يقترب منه قاطعا عليه هدهدة الموسيقى التي ارخت أعصابه قليلا، قال في نفسه، من أين تصدر هذه الموسيقى؟ جال بعينيه المكان فلم يعثر على شيء، ثم قرر أن يخرج من عتمة هذا المشهد الكئيب، ظل صوت الموسيقى طاغيا يرن في أذنيه بإصرار وهو يخرج من الباب الرئيسي للبناية…
2- –
توالت الأحداث سراعا، ظل مارتين يواصل هروبه وهو يمر على جثث ودماء ورصاص طائش، كانت ملاحقات تقطع الأنفاس، حتى وقع في قبضة المفتش غراندس، اعتقد مارتين أن غراندس كان متعاطفا معه وهو يعامله بلطف وتعقل حين سمعه يقول :سأعطيك الوقت الكافي لتروي لي كل شيء ولا تتعجل، الأحداث جسام، سريعة ومتشابكة، لكن مارتين سارد ذكي وبإمكانه أن يسرد له كل ما وقع طيلة الايام الماضية، ثم بدأ يسرد الحقائق المؤلمة والساعات الرهيبة والمواقف المميتة التي مر بها على مدى ساعتين لم يتوقف لحظة واحدة، بل ظل منتظرا ردة فعل غراندس الذي لم ينبس ببنت شفة، انصت المفتش بانتباه شديد وهو يحرك رأسه كل حين رامقا صفحة وجه مارتين الممتلئة بالعرق بنظرات خاطفة، وحين أنهى قصته الملتبسة غاص في صمت عميق ساحبا انفاسا متعبة وموقنا أن ما قاله الان هو كل ماشهده وعاشه بحرارة دقائقه اللاسعة من حقائق وإحداث مرعبة، شعر براحة كبيرة منتظرا ماسيقوله المفتش، بدأ المفتش الكلام بطريقة ساخرة مفندا كل مااخبره به مارتين توا، كل الذي مر به كان خيالا محضا وتهيؤات.
تساءل باستغراب: هل أن الذي شاهده كان وهما غريبا؟ ولا شيء حقيقيا في كل الذي حدث؛ ليس ثمة جثث ولاقتال ولا دماء ولا رصيد مسروق من البنك؟ قال له المفتش: انت روائي محترف وقد ألقيت علي قبل قليل فصلا من روايتك الجديدة!!
_ماذا تقصد؟
_اقصد انك ذهاني خطير، لذا عليك مراجعة طبيب نفساني،
_وفاليرا المحامي القتيل؟
_اتصلت بمكتبه قبل قليل، إنه بصحة جيدة وهو مسافر لقضاء بعض شؤونه
_لكنني متأكد إنه ميت فقد لمسته بيدي!
_وبعد ماذا؟
_بعد؟ آه الموسيقى، موسيقى انريكو خواكيم التي ملأت بإيقاعها المكان حتى أنها ما زالت ترن في أذني (انتبهت إلى جهازي كان مغلقا)
_ اية موسيقى أيها المخبول؟
(داهمني الشك حين فقدت الثقة ببطل الرواية، عدت الى جهازي باحثا عن الموسيقى التي كنت اسمعها قبل قليل، فتحته فلم أجد الموسيقى، بحثت في صفحة اليوتيوب عن موسيقي اسمه انريكو خواكيم، فلم أجد موسيقيا بهذا الاسم، لقد اختفت الموسيقى إلى الأبد) بينما ساد صمت طويل لم يقطعه الا صوت النباح الذي أخذ يستفحل.