مِنَ البَيتِ إلى المدرسة

واثق غازي

حتى وهم يهبطون تبقى حقائبهم على ظهري
كُلّ صَباحٍ أفتحُ نافذتي باكراً وأعبُّ من نَدى الرّيحِ حَفنة أدّخِرُها مِلءَ صَدري
كأنَ بي مِن خمرةٍ وهج يبثهُ وجههُ الورديُ وأنا أعدّهُ نَحو غدٍ غائم،
تَعال نَحلم ُ يا ولدي:
يُمانعُ اليَقظةَ حتى تَحتدمَ الوعود بَين يَديِّ الأمِ التي ما قَطعَت وعداً إلا نكثَ بهِ حَنانُها ، لحينِ غائلة الكركرة وانسكاب الحليب،
ألزُّ يدي لعَلها تُصيبُ مِن لدنٍ مُشتىً،
حَتى أحمِلهُ تَحتَ حَقيبةِ ظَهرهِ على ظَهري ونمضي نحو عين الشّمس .
وكمَن يُداهِمهُ البرَقَ أجفلُ عندَ مَفازةِ بَابنا لسلِّ فأسَنا المَعقوفة :
فَفي الطريقِ نَحو الفَهمِ تَتقطعُ السُبلُ بمن لا يَرى بيديهِ،
وفي الطريقِ نَحو السُبلِ ، حَرفٌ يَسقُطُ يرُبِكُ الطَفلَ.
أتقافزُ به مِن على أنهرٍ طيّ رحلتِنا مَلأى بالِحمريّ، وشراغيفَ تُحاصِرُ أمّهاتِها
وأولُ النَدى لما يَزل يَعلقُ على نمَشِ البَشِّ .
كلُّ نَهرٍ تحزّبَ بالسّدرِ والبمبر والِحناءِ المُتثائبِ مِن خَدرِ زُراعهِ ومِن فَرطِ بَياضِ صدورِ الطواشاتِ وهُنَ يَتعمدنَ نَفضَ العِذقِ مِن عرجونهِ ، يمَدُّ النهَرُ أرجُلهُ حَتى تَعترِضَهُ غلِظةُ المُسنّاةِ.
على لَثمِ نَدى الليل تَنمو في الفَجرِ فَوقَ أثرِ الدّربِ أعناقُ اللبلابِ والليفِ
وشيخ اسم الله.
وعندَ وصولنِا لزارعاتِ الريحانِ أكونُ قد أخبرتهُ بنصِفِ قصةِ المدينةِ التي كان لها ألفُ نَهرٍ ، وواحد وواحد وستةَ أصفارٍ مِن مُختلفِ النَخلِ قبلَ أن أولد َ ،
أغرَقَها تثَاؤبُ الزُّراعِ فَنسيها الزَمن .
لا يَهمه ُ سِوى أن تمَلأ يَديهِ حُمرةُ التوتِ حَتى ليغدوَ أكثرَ حُمرةً من وردة .
عامدا ً أذكّرهُ بأصنافِ الزَرعِ ، ما هو لنا وما جَلبتهُ آلهة البُخارِ ،
حَتى اذا جزّنا عرائشَ العِنبِ ضَاحكٌ على محدودبٍ تَفتحت لنا سِعةُ المَدى تَلكَ البيوتَ التي كُلما دَنوتَ مِنها كَبُرت نوافذَها وتَعالتِ السّطوح ،
وعلا صَوتُ عِتابِ عُمالِ النظافةِ لكثرةِ النارنجِ على الأرصفة .
يا لهَا مِن رَبوةٍ غامرة ، كأننا نُطأطئ عن غيمةٍ مُسرعةٍ ونحن نَعتلي ظَهر الجسرِ الغائرِ حدّ الذقنِ بالحلفاءِ وتَجاسرِ الشُبلانِ،واللائي قَصدنَ نَفضَ دَرنِ الليلةِ البارِحة
دَسكرةٌ تلو أخرى التففنَ كحبلِ القنبِ الرابضِ بانتظارِ السَفنِ المَنسية ،
خُطت اسماؤها بصبرِ من أدمنَ التَعلمَ :
لأسماءِ من رَبوا اللونَ على السُمرةِ ، لمن جَعلوا خصورِ الصُخورِ مُشتهاةٍ ، لمن رَددوا الحرفَ حَتى صبَأ ، بأسماءِ مَن ليسَ لهم سوى الأسماء .
دَساكرَ أقامَ عليها مَهرةُ الليلِ يُطلقونَ مَن يُنشدُ الشِعرَ على امتدادِ المَسارب .
وقُبيلَ أن أسرسِحهُ عَن ظهري يقول ليّ :
بابا أنتَ ( تتشاقه وياي ) ولد ٌ مُهذبً ، يَعرفُ أني أكذبُ
فأهمهم أهمهم : أحلمُ لكَ يا ولدي
أحلمُ .