أحمد محمّد السّح
يبدو من الشائك جداً الدخول في هذا الأمر الديني والتاريخي، لالتصاق هذين الحدثين المسكوت عنهما باتفاق العقل الجمعي أو بأمر المتشددين في الديني والتاريخي، لتمازج الأمرين، وتداخلهما، وانهيار البناء الفكري الموحّد لهما والذي ترسخ خلال ما يزيد عن الألفي سنة الأخيرة، وتداخله مع البناء النفسي والعاطفي للشخصية الدينية التي تعيش حالة من التناحر الجمعي في أصوله وتوالياته. وخاصةً إذا ما دخلنا في نص نشيد الإنشاد التوراتي الذي يعتبر أحد أسفار الكتاب المقدس «التوراة» للدين اليهودي، والذي يحتفظ بقدسيته مع الدين المسيحي كمسمى «العهد القديم» ويلقى الاحترام بشخص النبي «سليمان» مع الدين الإسلامي.
إذن نحن نفتح أبواب يتمنى الجميع ألا تفتح، فظلت طي الدراسات الكتيمة، وخاصةً أن الصراع التاريخي في هذه المنطقة لا يزال يحضر مع صراعات القضية الفلسطينية، والطمس المتعمد من قبل الصهاينة الاسرائيليين لكل محتوى قد يفتح عليهم استكشافات في التاريخ المزوّر الذي أقنعوا العالم به، ولازالوا يفعلون.
نعرف بدايةً أن نشيد الإنشاد التوراتي يتألف من مئة وسبعة عشر بيتاً 117، موزعة على ثمانية أسفار، لكن من المختلف حوله هو زمن تأليفه ومعناه الجمالي، والهدف منه ومن تبنيه كنص مقدّس، وهذا في الجانب البحثي الذي يتجاوز المعنى التقديسي للنص وتجلياته الروحية، بينما يميل المؤرخون إلى اعتباره نصاً احتفالياً لا علاقة له بالمعنى الديني إنما يقتصر على الحالة الدنيوية، فسكان هذه المنطقة حتى هذا اليوم يعتبرون العروس والعريس، ملكاً وملكة يتم الرقص والغناء والاحتفال أمامهما. ومع هذه النصوص لا بد أن نقف مع تقاطعات أناشيد الحب التي كانت تعبر عن التأوهات والعشق والرغبة بين عاشقين، وهي ما شاع في الملاحم والنصوص التاريخية بدءاً من السومرية وما تلاها.
قدم صموئيل نوح كريمر وديانا كتابهما المشترك «اناشيد الحب السومرية» عام 1969، وهنا فهم العالم لأول مرة أن العلاقة العشقية بين الإله ديموزي والإلهة إنانا كانت تتماثل وتتقاطع مع طقوس الزواج المقدّس، ولا يقتصر الأمر على موت ديموزي وبحث إنانا ونزولها للعالم السفلي لإنقاذه، وهنا بدأت الأعين تلتفت إلى النص التوراتي وتقاطعاته مع ما تم جمعه من رقم وصلت من متاحف العالم، ومما يتم التأكيد عليه أن الملك سليمان لم يلغِ طقس الزواج المقدس، وحتى وإن طالت الانتقادات له بإغضابه للإله يهوه «الله الواحد» وعليه يمكن أن نبحث في الفكر الموازي لأناشيد الحب السومرية أنه جرى تنقيحها وتهذيبها وتخليصها من الجسدي الفج، وعلاقات الجسد مع إنانا التي هي نفسها عشتروت الكنعانية، لنقف أما نص بطله سليمان الملك محافظاً على الإيحاءات التي حاول مفسرو التوراة ولا زالوا البحث عن مخارج روحي تقصي الدنيوي فيها وتذهب إلى البعد الروحاني لاعتبار أن العريس هو يهوه «الإله التوراتي» والعروس هي شعب اسرائيل، بينما في التفسير الكنسي المسيحي يمكن اعتبار العريس هو المسيح والعروس هي الكنيسة، وتدرج الصفحات لطوال في شرح كل كلمة لنشيد الإنشاد والذهاب بغايتها لربطها بالألوهة لإخراجها من الدنيوي المرفوض تزايد مركزية الديانات الموحدة السماوية، لكن الانطلاقة يجب أن تبدأ بلائحة الدلائل التي اعتمد عليها الأدب السومري والكنعاني والبابلي والآشوري، التي تعطي لكل اصطلاح معناه الجسدي المحدد، مع التأكيد أن بعض هذه الاصطلاحات لا تحتاجُ شرحاً مثل (سوف أبهج روحك، تأوه لذهً على حضن الحبيبة، فرجها وشفتاها عذبةٌ كشراب، وغيرها الكثير) وكل محتوى يأخذ بكلمة القلب يرتبط بالشهوة التي اعتبرها السومريون جذر الحب، وهو ما اعترف فيه التحليل النفسي الحديث بأن الحب هو المعنى المتطور للرغبة الجنسية فمصطلحات مثل ( نظر إليها بعين قلبه، تمدد فوق قلبي، سكب ماء القلب، وغيرها الكثير) كلها ترتبط بشكل مباشر بالعلاقة الجنسية، ومنه فمهما تم «تعقيم» النص الناتج عنها خوفاً وخجلاً في مجتمعات الكتمان الدينية، فإنها لا تخفي حقيقة الارتباط ووجود النص السومري الموازي لنشيد الإنشاد في كل تجلياته وانتقالاته.
تكثر التقاطعات بين النص السومري المتعلق بالحب ونصوص نشيد الإنشاد، ولكن من الضروري ملاحظة مسألتين: الأولى أن النص السومري أجرأ للأسباب التي ذكرت وفصّلت سابقاً، والمسألة الثانية أن الباحث عن التقاطعات الحرفية، كلمة قبالة الأخرى، يخرق المنهج العلمي، فالتقاطع يشمل الفكرة بشكلٍ أساسي، والمفردات بمحتواها الحرفي بنسبة جيدة إن لم نقل أنها عالية. ومنه هذا التقاطع الوارد مثلاً في نشيد الإنشاد: «شماله تحت رأسي، ويمينه تعانقني، أحلفكن يا بنات أورشليم ألا تيقظن وتنبهن الحبيب متى يشاء» وهذا وراد في (2: 6و 7) ومقابله في السومرية: «سيضع يده في يدي، وقلبه على قلبي، كم هو عذبٌ ومريحٌ النوم ويدي في يده، كم هي كليةٌ اللذة حين يلتصق قلبه بقلبي» وهذا وارد في (12: 44- 47).
يستطيع المهتم أن يجد الكثير والكثير من التماثلات بين النص السومري ونشيد الإنشاد التوراتي، ولكن هل من الممكن الوقوف عند تاريخ هذه النصوص، الحقيقة المؤكد أن النص السومري أقدم من حيث التواريخ وإن كنا نجهل بدقة متى كتب النص لانعدام معرفتنا من هو الشاعر الذي كتب هذا النص، الروح المسرحية والطقسية للنص تعرنا اننا في زمن السومريين الذي يتجاوز ألفين وخمسمئة سنة قبل الميلاد، أما الملك سليمان فقد ورث ملك أبيه داوود المستقر بين عام (970- 933) ق.م، ويلصق التوارتيون به الكثير من الصفات منها حب النساء، وكونه شاعر ولكن الترجيحات تشير إلى أنه ليس مؤلف نصوص نشيد الإنشاد. هذه المطالعة لا تقصد الحسم تجاه الأمر، وهي تحتاج بحث مفصّل قام به عدد من الباحثون المختصون ولكن تضافر الجهود بين الأدبي والتاريخي والديني قد يوصل إلى فهم أوسع للنص وتشابهاته، بدلاً من المواقف المتشنجة، التي تستبق الأجوبة خوفاً من عظمة وأهمية السؤال.