هل حقاً الشعر لا يطعم جائعاً ولا تُلبِس الرواية عارياً ؟

أحمد الغر / بين نهرين

حين هاجر «دوستويفسكي» إلى أوروبا، راسله صاحب دار نشر ليسأله عن جديده، فأجابه دوستويفسكي: «أي جديد؟؛ لقد رهنت أحد بناطيلي ثمناً للرد على برقيتك!»، تذكرت هذا الموقف وأنا أبادر بكتابة هذا المقال، فالظاهر للعيان أن غالبية الأدباء (شعراء، روائيين، قاصين،…) لا يستفيدون من أعمالهم الأدبية، وهذا صحيح بالفعل حين نعلم أن معظمهم يبحثون عن فرص عمل أخرى كي يعتاشوا منها، وبالتأكيد هناك أمثلة حاضرة بذهن الجميع عن شعراء وروائيين كبار عاشوا من ثمار كتاباتهم وترجماتها، لكن في النهاية هم قلّة، مقارنةً بالغالبية العظمى من الأدباء. لكن هل العمل الأدبي لا يتعارض مع أي عمل آخر قد يمارسه الأديب؟، أما السؤال الذي يعيش الأدباء هاجسه دوما فهو: هل يستطيعون التفرغ لأفكارهم وقصائدهم ورواياتهم والابتعاد عن ضغط تأمين لقمة العيش؟، وهل الأدب صنعة يمكن أن يعتاش منها الإنسان في زمننا الحالي؟، أم أنه لا يطعم خبزاً ـ كما يُقال؟
يمكننا القول أن دوستويفسكي قد اختصر معاناة الأدباء في جملة قصيرة، حيث يعتقد من هم خارج المجال الأدبي أن الكتابة مصدر رغد للعيش، وفي الواقع فالكتابة لصاحبها هي موهبة أولاً وأخيراً، ومن قبلها هي متنفس للروح للخروج من معترك الحياة ورتابتها، ولأن الكتّاب بصفة عامة، وخاصة الشعراء وكتّاب الرواية والقصة لديهم حساسية مفرطة إزاء ما يحدث حولهم نجد أن الكتابة هي خلاص أرواحهم، لكن هل يستطيع الأدباء العيش على الكتابة فقط ؟، بالطبع لا!، لذا هم لا يتفرغون لأعمالهم بل قد يحرمون أنفسهم من راحتهم حتى يجدون بعض الوقت للكتابة، وذلك يُوضَع الكاتب بين المطرقة والسندان، هل يجيد عمله الذي يعتاش منه أم يبرع في الكتابة التي يتنفس من خلالها ويشبع شغفه وهو لا يتفرغ لها سوى ساعة من يومه ليس أكثر، ولأن الأدب لا يطعم خبزاً فالكاتب يضحي كثيراً بمتنفس روحه ويركض خلف لقمة العيش، ففي نهاية اليوم لا يريد أن ينام جائعاً، فالكتابة لعنة تلاحق صاحبها في حياته، ولا يجد ثمارها إلا بعد وفاته، وفي التاريخ خير شاهد على ذلك.
فأهل القلم والحبر هم أثرياء بالعقل والابداع، لكنهم افتقدوا للمال ومتاع الدنيا، فعاشوا رحله الحياة وهم في ضنك البؤس والفقر والحرمان. في التاريخ القديم نجد الشاعر العباسي «سلمٌ بن عمرو بن حماد»، الذي لُقب بالخاسر، والذي قيل أنه قد باع مصحفا واشتري به ديوان شعر، وقيل انه سمي بذلك لانه انفق مائتي ألف في صناعه الأدب، فاطلق عليه جيرانه «سلم الخاسر»، أو ربما لأنه ورث عن أبيه مالا فأنفقه ولم يبقِ منه شيئاً، فلقبوه بذلك، وهذا قبل أن يمدح الامير ويعوض خساراته. في العصر الحديث .. نجد الشاعر «أمل دنقل» قضي حياته بين القهر والظلم والفقر في آن واحد، عرفه المواطن العربي من خلال ديوانه الاول «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» الذي جسد فيه احساس الانسان العربي بألم الهزيمة في العام 1967م، لكن دنقل عاش فقيراً، معذباً، قلقاً، كارهاً، ومتشائماً. لطالما دلف في طرقات العاصمة القاهرة بحثا عن صديق يدفع له ثمن الغذاء، أما شاعر البؤس «عبد الحميد الديب»، فقد تمرغ في الفقر والاحتياج، حتي صار البؤس لقبا يلازمه، وكان كثيراً ما يتحسر على بؤسه وحاله، كقوله في رثاء نفسه: ( ضاقت بهِ الدنيا فكُــن رحْـبا بــهِ / قد ذلّ مِـن غدر الزمانِ ورَيـْـبــِهِ / لا تنكروا الشكــوى على مُتبرّمٍ / قـلـِـق الحـياةِ كمَـن يُشـاكُ بثوبهِ / أنا لا أرى فـي شـبــابيَ لذة / لهــفـي على مرحِ الشبابِ وعُجبـهِ / مـن كـان توأمَـهُ الشقـاءُ وصنـْوَهُ / فشـبـابُهُ حـربٌ عليهِ كـشَـيْـبـِهِ!». أما الكاتب الدكتور «جمال حمدان» فقد أجبره الفقر علي اعتزال الحياة، فاستقر به الحال للعيش في حجرة صغيرة فوق سطح بيت قديم بالقاهرة، إلي أن مات ، وقد تعددت روايات وفاته بين أن جهاز الموساد هو الذي إغتاله، أو أنه قد مات شانقا نفسه بسبب عدم قدرته علي توفير العيش والمال، لكن رغم رحيله فإن كتاباته مازالت بين أيدينا كثروة مهمة في التفكير الاستراتيجي، حيث قدم رؤية استراتيجية متكاملة لمقومات الأحداث الآنية حينها ووضعها في سياق أعم وأشمل وذي بعد مستقبلي أيضا، وقد عاني مثل أنداده من كبار المفكرين الاستراتيجيين في العالم، من عدم قدرة المجتمع المحيط بهم على استيعاب ما ينتجونه.
«الأدب ليس تجارة ولا مهنة ولكنه الحظ الانكد»، هكذا وصف الروائي الشهير «وليم ماكس ثاكري» الأدب، فالأديب «إدجار ألن بو» كان يسكن مع زوجته كوخا حقيرا حيث ينامان فيه على فراش من القش، وحينما مرضت زوجته لم يكن لديه قيمة الحطب الذي يضعه في المدفأة، فكان يحمل قطته الصغيرة على النوم عند قدمي زوجته لتزيد من درجة حرارتها، أما «مكسيم غوركي» أديب روسيا الكبير، فقد أدركته حرفة الأدب فاضطر في بداياته إلى أن يعمل خبازا وسائسا وحفارا للقبور، أما الأديب الكبير «إميل زولا»، والمصور «سيزان» فكانا يسكنان في إحدى الغرف الباريسية المهملة، وكان عندما يشتد عليهما الجوع فيقيمان الفخاخ على سطح الغرفة ليتصيدا العصافير، ويشوياها على لهب شمعة. المبدعون معرفون بابتسامتهم المرتجفة، تلك التي ترتسم على شفاههم رغم ما هم فيه من عوز واحتياج وهموم، إذ لا تفارقهم العبارة المرحة رغم جوعهم، ذاكرتهم معطاء رغم قصر ذات اليد، وفي ذهنهم روايات وحكايات كلها ترف وابتكار وخفه ظل رغم ضنك العيش. هذا الضيق الذي اضطر «عباس محمود العقاد» إلى بيع كتبه، إضافة إلى قيامه بإعطاء بعض الطلاب دروساً خصوصية من أجل مجابهة أعباء الحياة المادية، فمعاناة العقاد مضاعفة.. إذ لم ينل ما يستحقه من التكريم رغم جدارته، وقد عبر عن ذلك بقوله: «إن مصر بلد عجيب، إذا أرادوا تدعيم الإسلام نشروا كتبي، وإذا أرادوا أن يهاجموا الشيوعية نشروا كتبي، وإذا رشحوا أحدا لجائزة نوبل رشحوا طه حسين!»، فلا يمكننا إعتبار الأدب في البلدان العربية (صنعة) يمكن أن يعتاش منها الكاتب، فلا توجد وظيفة اسمها كاتب على الإطلاق، وإنما يوجد موظف في أي مهنة حتى ولو كانت قريبة أو بعيدة عن الأدب والثقافة، يمارس الكتابة من خلالها، وبالطبع هذا فيه الكثير من المشقة، بمعنى أن الموظف الذي وجد نفسه متورطا في الكتابة بطريقة أو بأخرى، يحس بالغبن أنه يمارس وظيفتين بأجر وظيفة واحدة، وحتى في الزمن الذي ظهرت فيه جوائز يمكن أن ينالها أحدهم، يظل الأمر محدوداً وخاصاً جدا، فالجائزة نفسها إن نالها أحدهم، لن تكفيه طوال العمر، وهناك كتّاب يتم استكتابهم في صحف ومجلات بناءاً على شهرتهم، وحتى هذه لا تجدي، والعائد لا يسمح بحياة جيدة دائما، والذي يحدث في النهاية أن الطبيب يظل طبياً ويكتب، والقاضي يظل قاضياً ويكتب، والممرضة تكتب وتسعى بين المرضى، وهكذا تسير الأمور، وقد ذكر ليّ صديق يعمل في أوروبا، أن أصدقاءه من الكتّاب لا يعملون كموظفين أبداً، وإن كان قد عملوا في وظيفة سابقة فإنهم يتركونها ويتفرغون للكتابة، ولهذا تجد الكتابة هناك متنوعة وغزيرة.
لـكـن في واقع الأمر أننا إذا أصررنا على مقارنة منجزاتنا بمنجزات الدول المتقدمة فنحن الأدنى منذ بدايات العصر الحديث الذي تقدمت فيه دولٌ ولغاتٌ في حين تقهقرنا، أمّا إذا كانت المقارنة بين ماضينا نحن وحاضرنا، فحينها ـ نحن ـ كمثل غيرنا من الدول المتقدمة تماماً في مجال الكتابة والثقافة والأدب، دون غيرها من المجالات. في التسعينات الميلادية وما قبلها كان بين المثقفين والأدباء والشعراء العرب من استطاع عن جدارة أن يعيش حياة كريمة من المردود المادي لكتاباته، سواء من خلال مكافآت الصحف والمجلات التي يكتب فيها أو من مبيعات كتبه، لكن مع مرور السنوات تغير الوضع، وأصبح المعروض من الأدب كثير، وضاع السمين في وسط الغث، وصار الشعر لا يطعم جائعاً ولا تلبس الرواية عارياً، خاصة في بلادنا العربية مقارنة بدول الغرب، وقد يتحجج البعض بفعل ما أحدثته الكتابة الإلكترونية (أو لنقل ـ المجانية) من ثورات هزّت العالم كله وهمّشت الورق تهميشاً تاماً، فأصبحنا لا يوجد أي كاتبٌ أو أديب أو شاعر يستطيع أن يعيش من كتابته على الورق، إلا إذا تحوّل ذلك الورق إلى أعمال جماهيرية بتقنيات إلكترونية متطوّرة نحن لم نملكها كـعـرب بعد للأسف. إنها غصة كبرى أن يعيش معظم الأدباء منسيين ويموتون غرباء، يرسمون للأمة دروب النور ويعيشون في ظلام الفاقة، فالأمة التي لا تقيم للأديب والمثقف وزناً، لن تبرح مكانها إلا إلى الخلف، وما دام الإعلام لا يحمل رسالة الأدب والأدباء، ولا يسلط أضوائه عليهم، وعلى إبداعهم، فلن نرتقي بعقول الأجيال، فهو القادر الوحيد على أن يصنع نجوم الأدب والثقافة، في الأقل كما هو الحال في مجال الفن والكرة، ألم يحن الوقت لمجتمعاتنا العربية أن تجعل من الأدب مهنة فخر وكسب وسمو ؟!