هيغل والإسلام: فلسفة ذاتية وتاريخ كوني

حسين هنداوي

في تحليل وتقسيم تاريخ الوعي الانساني عموماً ينطلق هيغل من الاطروحة اللاهوتية المسيحية القائلة بان الانسان هو في جوهره ابن الله، فالوعي الانساني استنتاجاً هو انعكاس بشكل او باخر للوعي الالهي وكذلك الامر بالنسبة للارادة والابداع ومختلف الصيرورات الاخرى. ويؤكد هيغل في اكثر من موضع في كتاباته تبنيه لهذه الفكرة اللاهوتية المسيحية مع فارق جوهري هو انه يصوغها بلغة الفلسفة بينما تطرحها المسيحية بلغة الايمان او الدين.

ويقوم المنهج الفلسفي الهيغلي من جانب اخر على مفهوم الضرورة والغاء أي دور للصدفة. فعلى مسرح تاريخ الوعي الانساني يبدو كل عنصر فاعل مكلف -دون دراية او ارادة منه- بمهمة محددة يولد من اجلها ويتحضر لانجازها ثم ينجزها فعلاً. وبعدئذ تدق ساعة نهايته ويستوجب عليه شاء أم أبى ان يترك المسرح لقوة جديدة صاعدة. وفي هذه السيرورة لا يبدو ذلك العنصر على شكل فرد او مجموعة صغيرة من الأفراد “النخبة” انما على هيئة شعب او أمة. والتاريخ ايضاً هو تعاقب هذه الأمم على قيادة العالم ضمن مخطط خارج ارادتها جميعاً هو انعكاس لمخطط الهي تطوري. حيث أن سيرورة تطور الوعي الانساني الكوني تشبه الى حد كبير سيرورة تطور طبيعة معتادة وهيغل يذهب الى حد مقارنتها مجازاً بتطور الفرد الانساني انطلاقاً من حالته الجنينية قبل الولادة ثم مرحلة الولادة والطفولة تليها مرحلة الشباب والحيوية، تليها مرحلة الرجولة والمسؤولية، تليها مرحلة الكهولة والحكمة. وهذه المراحل من التطور التي يقطعها تاريخ الوعي الانساني في سيرورته الشاملة هي انعكاس برأي هيغل لتطور “الروح المطلق” كما ان تاريخ الوعي الانساني هو انعكاس لتاريخ اخر هو تاريخ وعي “الروح المطلق” عن ذاته.
من جانب اخر يرى هيغل ان تطور الوعي الانساني، يتجسد موضوعياً في عدد من الفعاليات والحركات التاريخية والابداعات الروحية ذات الطابع الملموس. فهو يتجسد قبل كل شيء في شكل الدولة وطبيعة تنظيم العلاقة فيها بين الروح الفردية والروح الجماعية، بين الروح الجزئية والروح الكلية. فالدولة الابوية هي الاطار الخاص بمرحلة جنينة الوعي الانساني ودولة الاستبداد الفردي هي الاطار الخاص يمرحلة طفولة الوعي الانساني، والدولة الديمقراطية البدائية هي الاطار الخاص بمرحلة شباب الوعي الانساني، ودولة استبداد القانون هي الاطار الخاص بمرحلة رجولة الوعي الانساني، اما الدولة الديمقراطية التمثيلية البرلمانية فهي الاطار الخاص بمرحلة كهولة ونضج الوعي الانساني.
ان وجود الدولة هو الشرط الضروري الاول لولادة المؤسسات الروحية الاخرى وهي الدين والفن والفلسفة بشكل خاص وعن هذه المؤسسات تتولد مؤسسات روحية اخرى ثانوية نسبياً هي الاخلاق والعلوم والعلاقات الدبلوماسية وغيرها. ففي الدولة الابوية لا يمكن ان نجد الا ديناً يقوم على السحر وعبادة الطبيعة المباشرة، وفناً يقوم على تقليد مظاهر الطبيعة وبعض الاخلاق والعلوم والعلاقات البدائية جداً والعفوية تماماً. وفي الدولة الاستبدادية لا يمكن ان نجد الا ديناً يقوم على عبادة الطبيعة لكن مجردة وغير مباشرة هذه المرة وفناً يعكس هذا التجريد وفلسفة بدائية اقرب الى العقيدة الدينية ومصاغة بلغة الايمان. اما في الدولة الديمقراطية البدائية فنجد ديناً قائماً على عبادة طبيعة مجردة وشخصانية مؤنسة، أي ممنوحة وعياً وحيوية عقلانية، وفناً يجعل الانسان مركزه ونقطة انطلاقه وفلسفة مستقلة بذاتها عن الدين لكنها لم تغادر الأجواء الدينية بعد.
وفي اطار الدولة الاستبدادية المؤسساتية نجد ديانة تقوم على عبادة الطبيعة مجردة بشكل مطلق، وبشكل لا يبقى من الطبيعة المادية سوى وجودها الرمزي مطروحاً على شكل إله واحد ونجد فناً يعكس هذا التجريد وهذه الرمزية، ونجد فلسفة معقدة ظاهرياً لكنها شكلية المحتوى داخلياً. اما في الدولة الديمقراطية التمثيلية فنجد ديناً يقوم على الاتحاد الواعي بين الله والانسان، وفناً يمجد الانسان باعتباره ابن الله وممثل تحققه الارضي، وفلسفة متطورة في مختلف المجالات.
هذه هي باختصار شديد المحتويات الاساسية للنظام الفلسفي الهيغلي في تفسير تاريخ تطور الوعي الانساني. واذا انتقلنا الان الى تلمس ذلك على الصعيد الواقعي التاريخي للانسانية فان هذه التصنيفات تتجسد لدى هيغل على الشكل التالي:
– مرحلة جنينية الوعي الانساني وتتجسد بافريقيا التي يعتبرها هيغل “ليل الوعي الانساني” اي ما قبل الوعي التاريخي حيث يلاحظ ان افريقيا لم تنجح في اقامة أية دولة وبالتالي لم تنجز الا اشكالاً بسيطة على الصعيد الديني والفني والاخلاقي متجسدة في روحانية قائمة على السحر وعبادة الاشجار والانهار، وأكل لحوم البشر والغاء أية قيمة للإنسان بذاته.
– مرحلة طفولة الوعي الانساني وتتجسد بالشرق عموماً سيما الصين والهند وبلاد فارس وبابل ومصر القديمة، حيث يلاحظ ان الديانات التي قامت في هذه المناطق كانت تقوم جميعاً على تقديس الطبيعة المباشرة متجسدة رمزياً بالامبراطور في الصين وبرؤساء نظام الطبقات في الهند وبعبادة النار في ايران القديمة وبعبادة التماثيل ذات الهيئة الانسانية او الحيوانية في بابل ومصر. ففي هذه المرحلة يشعر الانسان انه يمتلك قيمة بذاته لكنها قيمة ثانوية مقارنة مع قيمة الامبراطور والرؤساء والنار.
– مرحلة شباب الوعي الانساني وتتمثل بالحضارة الاغريقية القديمة حيث يقدس الانسان رموزاً له بتماثيل الالهة المنحوتة بدقة على شكل جسم انساني، أي ان الفن الكلاسيكي وحقوق المواطنة في الديمقراطية الاغريقية، وموضوعات الفلسفة الاغريقية تدل جميعاً على شعور عالٍ بقيمة الانسان في العالم الاغريقي، لكن هذه القيمة غير شمولية بعد. فشعور الفرد الاغريقي بقيمته لا تتأتى لديه من هويته الخاصة كإنسان بل من هويته الخاصة كأثيني وكأغريقي. وهذا العجز في الوعي الاغريقي يجد نتائجه الملموسة في وجود نظام الرق في المجتمعات الاغريقية القديمة، وايضاً في كون الوعي الفردي الاغريقي ظل اسير فردانيته ولم يفهم ان قيمته الفعلية تكمن في عالميته، اي في ضرورة ان ترسى القيمة الانسانية للفرد على اساس انتمائه للانسانية العالمية، وليس فقط للانسانية اللاتينية او الاغريقية.
– مرحلة الرجولة تتمثل بالحضارة الرومانية حيث يقدس الانسان رموزاً له بالقانون والدولة وهي مؤسسات معنوية ومجردة وليست مادية طبيعية. وهذا التطور يقترن بتطور اخر متمثلاً بالنزعة العالمية للحضارة الرومانية والوعي الذي طورته. لكن هذا التطور يظل محدوداً نظراً لأن قيمة القانون والدولة طغت على قيمة الفرد الانسان. كما ان النزعة العالمية للحضارة الرومانية اقترنت بنزوعها لفرض عالميتها بالقوة والعنف، مما جعلها عملياً تسحق الفرد الملموس باسم العالمية المجردة.
– مرحلة الكهولة والنضج النموذجي يتمثل بالحضارة الغربية -المسيحية التي تقرن عالميتها -حسب هيغل- باحترام عميق للفرد الانساني باعتباره ابن الله، وباشاعة المحبة بين البشر وبموازنة العلاقة بين الفرد والمجموع العالمي بشكل يصبح احترام قيمة الفرد شرطاً ضرورياً لمشروعية قيمة المجموع العالمي. وتعتبر الديمقراطية التمثيلية الانتخابية عن هذه الموازنة امثل تعبير. وهذه المرحلة هي الذروة العليا لتطور الوعي الانساني.
وهنا لابد ان نلاحظ بان هيغل يؤكد على الدوام بان سيرورة تطور الوعي الانساني تذهب جغرافياً من الشرق باتجاه الغرب بالضرورة. وكلما انتقلنا من الشرق باتجاه الغرب كلما بدت الروحانية الواعية اكثر سمواً. فبعد ان يترك القارة الافريقية جانباً باعتبارها خارج تاريخ الوعي، يرى هيغل ان الصين هي نقطة البداية الاولى الفعلية، تليها الهند فبلاد فارس فبابل فمصر وكلها مكونات داخلية ضمن ديالكتيك الوعي الشرقي الذي بمجموعه هو طفولة الوعي الانساني. واذا تقدمنا اكثر باتجاه الغرب يأتي العالم الاغريقي يليه العالم الروماني وتقف اوربا الغربية كخاتمة لهذه السيرورة على الصعيد الجغرافي. وبموازاة ذلك يؤكد هيغل ان التطور يتم بالضرورة ايضاً على الصعيد الزماني، فالحضارة الصينية تسبق الحضارة الهندية، وهذه تسبق الفارسية تليها البابلية فالمصرية فالاغريقية فالرومانية واخيراً الحضارة المسيحية الحديثة.
والحال ان ظهور الاسلام في الشرق بالذات جغرافياً وبعد المسيحية بالذات يبدو كضربة قوية لهذا المنظور التطوري الجغرافي- التاريخي. لاننا لا نستطيع ان نفهم كيف يستطيع الشرق ان يلعب دوراً عالمياً في تطور الوعي في حين ان هذا التطور لا يمكن ان يحصل الا في الغرب من جهة، ومن جهة اخرى ان ظهور الاسلام بعد المسيحية تاريخياً لابد ان يقود الى الاستنتاج ان الاسلام كوعي روحاني هو بالضرورة اكثر تطوراً من الوعي الروحاني المسيحي سيما وان هذا الاستنتاج يبدو بديهياً اذا احترمنا المنهج الهيغلي نفسه. فإلى أية حدود التزم هيغل نفسه بهذا المنهج الذي اراد له ان يكون علمياً وصارماً، والى أية مدى استطاع الانحياز لـ”العلم الفلسفي” والتحرر من انحيازه الطبيعي لثقافته الخاصة؟
قبل الاجابة على هذه الاسئلة من الضروري ان نلاحظ ان النصوص التي يتحدث فيها هيغل عن الاسلام هي نصوص سريعة دائماً وشديدة التبعثر غالباً، الا انها مركزة وعميقة باستمرار بشكل يوحي لنا بان هذا الفيلسوف الالماني الكبير واجه مشكلة حقيقية في ادخال الاسلام في نظامه الفلسفي وهي مشكلة تفضح برأينا تناقضاً جوهرياً في عمق نظامه الفلسفي. ومما يدهش جداً ان دروسه حول فلسفة الدين لا تضم أي فصل مكرس للاسلام على الرغم من انه حلل في هذه الدروس جميع اديان البشرية الصغيرة والكبيرة الاخرى. وهذا الحال اثار انتباهنا ان دروسه الاخرى حول فلسفة التاريخ وحول فلسفة الجمال وحول تاريخ الفلسفة لا تتضمن الا فصولاً عجولة مفروضة عليه بشكل او بآخر. ومع ذلك فان ما هو موجود يكفي للقول بوجود منظور كامل لدى هيغل حول الاسلام.