عبد السلام صبحي
ملوك مثقفون وأراشيف مكتبية
لا يخفى على مهتم بالتاريخ العراقي القديم، سيرة احد أهم ملوكه الا وهو العاهل آشور بانِ ابلِ ( آشور بانيبال في العهد القديم) وما تعلق بمكتبته الشهيرة التي عُثر عليها في التل الاثري في «قوي انجق» حيث اطلال العاصمة الامبراطورية الآشورية العظيمة نينوى، حفر في الموقع الاثري للمكتبة الحفار البريطاني «اوستن هنري لايارد» في العام 1841م ، وقد هاله ما وجد هناك، فقد اخرج من ذلك الموقع ما يربو على 30 ألف رقيم مسماري تقريباً ، كانت هذه المكتبة هي مستقر آداب وعلوم العراق القديم والذي امر الملك آشور بانِ أبلِ الملقب بـ (المثقف و الكتبي ) بجمعه من انحاء الاقاليم التابعة للامبراطورية، من مصر جنوبا الى أرمينيا شمالا ومن عيلام شرقا الى سواحل البحر المتوسط مرورا بكامل سوريا القديمة، حيث يرد في نص له «أنا كتبت ودققت هذه الألواح من خلال الموظفين والطلاب، وقد جمعت وكتبت النسخ الأصلية القديمة»، حرص العاهل الآشوري على ارسال النساخين الى مراكز العلم والأدب في حواضر العراق القديم ( بابل وبورسّبا واكد وكوثى ونيبور واشور)، حيث قاموا بنسخ معظم المؤلفات المهمة . من شعر واساطير والواح اقتصادية وفلكية، وقد عمل بدأب على العناية بها ومتابعتها وتنظيمها طوال مدة حكمه الطويلة والتي بلغت 42 سنة، كانت بعض رُقم المكتبة تُقرأ عليه قبل ان يوافق على ايداعها في المكتبة، وكان مهتما بتعلم اللغة السومرية القديمة وهي اللغة المقدسة للكهنة، حيث اشتكى دوما من صعوبتها، وقد ورد في احد النصوص انه طلب من احد كتبة المعابد في سبّار ( حيث المكتبة الأولى القديمة التي ترقى الى العصر البابلي القديم ) ان يبحث له تحديدا عن احد الرُقم العائدة الى الملك ( المشّرع ) العظيم حمورابي والذي كان يسبقه باكثر من الف ومائتي عام وطلب منه ان يرسله اليه، ومن نفائس ما عُثُر عليه في المكتبة ايضاً، نصوص من ملحمة العراق الخالدة التي حملت اسم احد ملوكه السومريين (جلجامش )، و منها الرقيم الشهير المتعلق باسطورة الطوفان مدوناً باللغة الآشورية وهي لابد انها منقولة عن نص بابلي قديم يرقى الى عصور ما قبل العاهل حمورابي حيث عُثر على النسخة السومرية لتلك الملحمة، وكانت ترجمة هذا اللوح فتحاً كبيراً، أسقط الكثير من الفرضيات الزائفة التي رسختها النصوص التوراتية وكشفت حقيقة نسخها للفكر العراقي القديم، هذه المكتبة نقلت لنا معارف اسلافنا ومنحت للبشرية دفقاً من عطائهم.
لا نتوقف عند هذا الحد في امر المكتبات، ففي العام 1986 كشفت بعثة تنقيبية عراقية في تل ( ابو حبة) حيث موقع مدينة سُبار القديمة في منطقة اليوسفية الحالية قرب بغداد، معبدا لاله المدينة ( شمش ) وهو اله الشمس عند العراقيين القدماء، وفي احد جدران المعبد وجدت رفوف تشكل مكتبة على شكل حرف Uيربو عددها على 56 رفا وبداخلها وجِد ما يقرب من 200 رقيم مسماري لكل رف، وكانت مرتبة بطريقة تدعو للاستغراب، و كأن القائمين عليها قد تركوها للتو بدلالة الفهرسة الدقيقة للالواح، يرقى زمن هذا المنشأ الى العصر البابلي الحديث ( الكلدي – القرن السادس ق.م )، وهذا امر ذو دلالة مهمة تشير الى الحرص في نقل المعارف ما بين الاجيال والحفاظ على التقاليد المتوارثة، وربما ان هذه المكتبة ما هي الا صدى لمكتبة نينوى العظيمة التي تناولناها آنفاَ ، والتي سبقتها بقرن من الزمان ( الصورة المقابلة لمكتبة سبار – 1986 ) .
بين الملك السومري جودايا
والآرامي أدد نادين آخي
وردتنا نصوص لملك آرامي بالاسم (أدد نادين آخي, عاصر فترة الحكم الفرثي في اواخر القرن الثاني ق.م )، وكانت مملكته تتمتع باستقلال شبه ذاتي، حكم الملك آخي في جنوب بلاد النهرين، وتحديدا في المواقع التي كانت تضم مملكة لكش، في مدينة كرسو القديمة (تللو الحالية ). حيث وجد بناؤو قصره الجديد خلال الحفر، تماثيل تعود للحاكم الشهير جودايا (أمير سومري من سلالة لكش الثالثة، حكم من 2164 الى 2144 ق.م ) والذي سبق الملك آخي بالفيتين من الاعوام تقريباً، فيذكر النص ان الملك آخي «قد أمر البنائين بجمع اللُقى القديمة وعرضها في ركن خاص بالقصر وطلب من كتبته بقراءة النصوص التي دونت عليها باللغة السومرية وطلب منهم تقليد الكتابة بالأسلوب الأصلي وباللغتين الآرامية واليونانية وأن يحاكي التصميم المعماري لقصره الطراز السومري للمنشأ القديم»
بعد هذا الزمن بألف وخمسمائة سنة تقريباً تبزغ شمس الحضارة على قارة اوربا، و في بدايات عصورها الوسطى نسمع عن عائلات ارستقراطية تهتم باقتناء الاثر الفني القديم وتوثيقه وصيانته (عائلة ميدي- تشي الفلورنسية في ايطاليا الحالية مثالا ).
اِن ما قمنا باستعراضه هو سرد محدود لامثلة تُظهِر احترام العراقيين القدماء لاِرث اسلافهم الغني واهتمامهم بنقله جيلا بعد جيل كنوع من فخر وتوكيد لأمانتهم في صيانة الارث والذاكرة.
أن التراث الثقافي يعد ركناً اساسياً من اركان الوعي الانساني ولذا تبنت هيئات مختلفة من الامم المتحدة مبدأ حمايته والحفاظ عليه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، ابتداء بمعاهدة لاهاي لحماية التراث الثقافي خلال العمليات الحربية في العام 1954، ومرورا بالتشريعات التي تبنتها منظمة العلوم والثقافة ( اليونسكو ) في العام 1970 والتي منحت غطاءً دولياً لحماية التراث الثقافي في زمن السلم وتحريم الاتجار به، وصولا الى اتفاقية روما ( اليودونروا في العام 1995 ) والتي منحت القانون الدولي فضاءً أرحب للتعامل مع التشريعات الخاصة بالحفاظ على التراث الثقافي.
ما نود ان نتلافاه حقا هو ان نفتح حوارا مع جيل عراقي في المستقبل عن المنجز الحضاري لأسلافهم فنجدهم يحتارون بالرد جراء جهلهم بالامر، وهذا ان حصل فهو نتيجة طبيعية للتغييب الحاصل حالياً من جهة المناهج الدراسية والوضع الكارثي للاعلام المسيس والتجاري التافه الذي يسطح عقل المواطن، ناهيك عن عمليات المحو الممنهج لمكامن الحضارة في حواضر العراق القديم وشواهده كما حصل خلال فترة الحصار الظالم على العراق او مع الإرهاب الداعشي في محافظة نينوى وبشكل منهجي مخطط له، يهدف الى قطع حبل المشيمة بين الماضي والحاضر وترك ذاكرة الاجيال لتتلاشى تدريجيا
أن محاربة التجهيل الحاصل للأجيال الناشئة بل والمجتمع بشكل عام لهو هدف نبيل ومشرّف، يستلزم منا جميعاً كعراقيين ورثنا مساهمات اسلافنا القدماء في مسيرة البشرية، من ان نحفظ للعراق هيبته امام امم العالم المعاصر ومكانة اهله السامية في المنظومة البشرية، لانهم والحق يقال وضعونا تحت مهمة جسيمة ولكنها مشرفة بتوريثنا محطة بلاد النهرين العظيمة التي تحرك منها التاريخ. .